هدف الهجوم في سورية: منظومة لوجستية إيرانية موضوعة في خدمة حزب الله في لبنان

هدف الهجوم في سورية: منظومة لوجستية إيرانية موضوعة في خدمة حزب الله في لبنان

رون بن يشاي – محلل عسكري إسرائيلي
وسائل إعلام النظام السوري، وأيضاً المتمردون رووا هذا الصباح (الاثنين) رواية واحدة تقريباً تقول إن هجوماً استهدف ما بين 10-12 هدفاً في سورية. والجميع نسب الهجوم إلى إسرائيل. تقريباً جميع الأهداف التي هوجمت هذه الليلة سبق أن تعرضت في الماضي لهجمات منسوبة إلى إسرائيل. وكلها مرتبطة بالجهد الذي تبذله إيران للتمركز في سورية وتحسين أداء منظومة القذائف والصواريخ التابعة لحزب الله في لبنان.
نظرة سريعة إلى خريطة سورية تُظهر أن جميع الأهداف التي هوجمت هذه الليلة موجودة على مسافة تتراوح بين 30-40 كيلومتراً من حدود سهل البقاع في لبنان، وهي تتضمن مطاراً عسكرياً سورياً سبق أن تعرض للهجوم منذ فترة قصيرة، وبحسب المعارضة السورية، ينقل الإيرانيون من خلاله قذائف وصواريخ متطورة مُعدّة لاستخدام حزب الله في لبنان.
هذا المطار العسكري تابع لسلاح الجو السوري ويسمى مطار الشعيرات، ويقع على بعد 28 كيلومتراً جنوب حمص وعلى بعد 40 كليومتراً من حدود سهل البقاع في لبنان. السوريون يسمحون للإيرانيين باستخدام هذا المطار بعد أن طلب الروس من طهران، بدعم من دمشق، إخلاء “محطة الصواريخ الفرعية” الموضوعة تحت تصرفهم في المطار العسكري الدولي في دمشق.
لقد طلبت روسيا، بضغط من إسرائيل، من إيران إخلاء منشآت تخزين ونقل منظومات السلاح الخاصة بها في مطار دمشق بحجة أن وجود هذه المنشآت واستخدامها من جانب فيلق القدس في الحرس الثوري، يعرّض المطار المدني وحركة الهبوط والإقلاع من العاصمة السورية للخطر. استجاب الإيرانيون إلى الطلب، وبدلاً من ذلك حصلوا من النظام السوري على إمكان استخدام مطارات عسكرية في شتى أنحاء سورية. مطار الشعيرات هو أحدها وسبق أن تعرض للهجوم من طرف مجهول، لكن السوريين يدّعون أن إسرائيل هي التي هاجمته.
المنشآت التي هوجمت هذه الليلة، بحسب ما يمكن استنتاجه من المعلومات التي تصل من سورية، هي كلها منشآت تخزين صواريخ وسلاح ثقيل. جميع منشأت التخزين هذه التي تعرض جزء منها للهجوم في الماضي، قريبة جداً من حدود لبنان، لكنها لا تقع داخل أراضيه. جزء منها موجود تحت الأرض، وجزء فوقها. من هنا يُستنتَج أن الهجوم هذه الليلة كان عملياً ضد منظومة لوجستية أقامها الإيرانيون لتزويد حزب الله بالسلاح، تحسباً لنشوب حرب بين لبنان وإسرائيل. المنطق وراء إقامة هذه المنظومة هو أنه من الأفضل وضع جزء من المنظومة اللوجستية التي تهدف إلى تعزيز منظومة قذائف وصواريخ حزب الله، خارج الأراضي اللبنانية، لأنه من المعروف أن لبنان سيهاجَم خلال الدقائق الأولى للحرب من سلاح الجو الإسرائيلي، وفي منطقة سهل البقاع المكتظة سكانياً من الصعب إخفاء كميات كبيرة من الصواريخ والدفاع عنها.
يقدّر الإيرانيون والتنظيمات الدائرة في فلكهم أنه إذا بدأت الحرب في لبنان وامتنعت سورية من المشاركة فيها، ربما بضغط من الروس، فإن إسرائيل ربما لن تهاجم سورية كي لا تجرها إلى حرب وتفتح جبهة أُخرى إضافية ضدها. لذلك يهتم حزب الله والإيرانيون اهتماماً كبيراً بإقامة منظومة عملانية – لوجستية لحزب الله في الأراضي السورية.
ولذلك، يمكن التقدير أن الهجوم استهدف هذه الليلة كل “السلسلة الغذائية” التي تهدف إلى تغذية حزب الله بالصواريخ الدقيقة عندما تبدأ الحرب من المطار الذي ينقلون إليه الصواريخ وانتهاءً بالمخازن في منطقة دمشق وجبال القلمون، وذلك على بعد كيلومترات قليلة من الحدود السورية – اللبنانية، وبمحاذاة الطرق الجبلية الخفية التي يمكن التقدير أن الصواريخ والقذائف سيُنقلان عبرها إلى حزب الله عندما سيحتاج إليهما.
تغيير في أسلوب العمل

طبعاً إسرائيل لا تنفي ولا تؤكد أنها وراء الهجوم، لكن إذا كانت الادعاءات السورية صحيحة، يمكن أن نلاحظ تغيراً مهماً في أسلوب عمل مَن قام بالهجوم، فبدلاً من هجمات صغيرة تفصل بينها فترات زمنية قصيرة، انتقل الطرف الذي يهاجم في سورية إلى الهجوم على عدد كبير من الأهداف في وقت واحد تفصل بينها فترات زمنية طويلة نسبياً.
يمكن التقدير أن الذي يفرض الهجمات هو ظهور معلومات استخباراتية أحياناً يمكن استخدامها خلال فترة زمنية قصيرة جداً. لكن نظراً إلى أن المقصود ليس “أهدافاً سانحة” قصيرة المدى، من الأفضل الانتظار حتى تتجمع كتلة مهمة من الأهداف ومهاجمتها، مع توظيف كل الوسائل والمنصات التي تسمح بتحقيق نتيجة تكون لها نتائج استراتيجية وليس فقط تدمير هدف تكتيكي.
زيادة المدة الزمنية التي تفصل بين عمليات الهجوم تقلص أيضاً مخاطر صعود التوتر في المنطقة، بما فيه التوتر بين الروس الذين يوجد عناصرهم في المناطق التي تتعرض للهجوم، وهو ما يعرضهم للخطر.
في الأسبوع الأخير فقط قال مستشار الأمن القومي الروسي الذي جاء إلى إسرائيل للقيام باستشارات مع نظيريه الأميركي والإسرائيلي، إن الهجمات المنسوبة إلى إسرائيل في سورية ضد الإيرانيين “غير مرغوب فيها”. لذلك من وجهة نظر إسرائيلية من الأفضل جداً تقليص عدد الهجمات وتركيزها خلال فترة زمنية قصيرة واحدة، الأمر الذي يقلص فرص وقوع حوادث. هناك ميزة أُخرى لتجميع عدد كبير من الأهداف ومهاجمتها في وقت واحد، لأن ذلك يؤدي إلى تشتت نار المضادات الجوية السورية وتقليص الجهود المستخدمة لتغطية القوة المهاجمة، مثل وسائل الرقابة والإنذار والتشويش الإلكتروني. في الوقت الذي تجري مهاجمة عدد كبير من الأهداف في وقت واحد، تضطر المضادات الجوية السورية الى توزيع نيرانها ولا تستطيع التركيز على هدف واحد معين.
مؤخراً، بينما سيطر نظام بشار الأسد على أغلبية الأراضي السورية، بدأ بالرد على الهجمات التي ينسبها النظام السوري إلى إسرائيل. حتى الآن ليس هناك رد سوري، لكن في المنطقة التي تعرضت للهجوم توجد بطاريات S-300 نقلها الروس إلى سورية، والروس هم الذين يسيطرون الآن عليها، ويدربون عناصر الجيش السوري على استخدامها. وبمقدار ما يمكن الاستنتاج، هذه البطاريات لم تُستخدم الليلة، والتقدير أن الروس لم ينقلوا السيطرة على هذه البطاريات إلى السوريين.
يهم الروس الاستمرار في السيطرة على هذه البطاريات التي نقلوها إلى سورية بعد إسقاط طائرة تجسس روسية بصاروخ سوري مضاد للطائرات في أيلول/سبتمبر العام الماضي، واتهام الجيش الروسي إسرائيل بأنها أوجدت عن قصد وضعاً عملانياً دفع السوريين إلى إسقاط طائرة التجسس. “عقوبة” إسرائيل كانت أن الروس قاموا بما لم يقوموا به في الماضي، ونقلوا بطاريات S-300 إلى سورية، وبدأوا بتدريب السوريين على استخدامها، لكن إذا انتقلت هذه الصواريخ إلى السوريين واستخدموها فإنهم يخاطرون بتدميرها من سلاح الجو الإسرائيلي الذي يعرف كثيراً عن هذه البطاريات، وأيضاً عن الطريقة التي يمكن تحييدها.
إذا ضُربت بطاريات الـS-300 في سورية فإن سمعة الصناعة العسكرية الروسية ستضرر، وكذلك سمعة الجيش الروسي، وخصوصاً منظومة مضادات الدفاع الجوي. لذلك يمكن التقدير أن الروس لن يسارعوا إلى نقل السيطرة على بطاريات S-300 الموجودة في منطقة ليست بعيدة من المنشآت التي هوجمت هذه الليلة في سورية. مع ذلك لا يمكن أن نستبعد تماماً أن الهجوم الواسع هذه الليلة هدفه استباق نقل السيطرة على هذه البطاريات إلى المضادات الجوية السورية. وكانت وزارة الدفاع الروسية قد تعهدت في نيسان/أبريل بأن تكون منظومة هذا السلاح عملياتية في سورية، وذكرت وسائل الإعلام الروسية أن موعد تسليمها إلى السوريين هو تموز/يوليو 2019. لذلك ليس من المستبعد وجود علاقة بين الهجوم وبين تشغيل بطاريات S-300 في سورية.
المصدر: موقع ynet الإسرائيلي – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية