“واشنطن بوست”: حان الوقت لمواجهة الضرر الذي تسبّبه منتجات “فيسبوك”

“واشنطن بوست”: حان الوقت لمواجهة الضرر الذي تسبّبه منتجات “فيسبوك”

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” افتتاحية لمجلس تحريرها قال فيها إن حقيقة أن المصدر الذي يقف وراء عشرات الآلاف من صفحات البحث الداخلي المسرّب من “فيسبوك” هو أنه المُبلغ عن المخالفات، هو دليل على تأثير الشركة على المصلحة العامة للأبد أو، كما يُظهر الكشف في الأسابيع الأخيرة.

فقد كشفت فرانسيس هوغن، التي كانت تعمل سابقاً مديرة المنتجات في قسم النزاهة المدنية في شركة “فيسبوك”، عن هويتها في نهاية هذا الأسبوع في برنامج “60 دقيقة” على شبكة “سي بي إس”. وعندما تدلي بشهادتها أمام لجنة التجارة في مجلس الشيوخ الأميركي اليوم الثلاثاء، من المتوقع أن تركز ملاحظاتها على تأثيرات موقع انستاغرام على الفتيات المراهقات. ومع ذلك، فإن الوثائق التي شاركتها تغطي كامل مكافحة صاحب عملها السابق لاحتواء الدافع الطبيعي لأي منصة في اقتصاد الانتباه: لتحسين أي شيء يجعل الأشخاص يتنقلون وينقرون في الموقع، بغض النظر عن العواقب.

وأضافت الافتتاحية: تظهر حقيقة وجود هذه الأوراق أن فيسبوك لا تتجاهل مشاكلها. ومع ذلك، فإن حقيقة أنهم شقوا طريقهم إلى العلن من خلال السرية والتخريب مشكلة كبيرة في حد ذاتها. فالنزاع الرئيسي مع المبلغين هو أن شركة “فيسبوك” تعرف الضرر الذي تسببه منتجاتها، لكنها أخفت هذا الضرر عن الغرباء بينما تواصل إعطاء الأولوية للأرباح.

وتابعت الصحيفة: بالتأكيد، بعض نقاط البيانات مثيرة للقلق: عندما أدى تحول خوارزمي، يهدف إلى زيادة “التفاعل الاجتماعي الهادف”، إلى تصعيد الغضب الذي تم التعبير عنه على الموقع. فعلى سبيل المثال، حذرت الأحزاب السياسية الرئيسية في أوروبا من أن التغيير دفعهم نحو مواقف سياسية أكثر تطرفاً. جادل نائب رئيس الشؤون العالمية في فيسبوك، نيك كليج، يوم الأحد على شبكة CNN بأن “فيسبوك” ليست السبب الرئيسي للاستقطاب، ولكن هذا ليس هو الهدف. فالنقطة المهمة هي ما إذا كانت “فيسبوك” يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الانقسام الذي يصيب المجتمع اليوم وما هي المسؤولية التي يتحملها لمحاولة القيام بالعكس.

المفاضلات التي تواجهها “فيسبوك” صعبة، سواء كانت تنطوي على أكاذيب اللقاحات التي تنتشر على المنصة الرئيسية أو الأكل المضطرب والاكتئاب الذي يتم تشغيله على انستاغرام، لا يقتصر الأمر على أن هذه القوى غالباً ما تضع الأمان في مواجهة إحصاءات النمو، بل يمكنها كذلك تقديم مصالح متنافسة أخرى عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير. في أي وقت تغير فيه “فيسبوك” نظام التصنيف الخاص بها لإبطاء الإثارة، أو تقدم تدابير حذف المنشورات الخطيرة قبل أن تنتشر، قد تصبح المواد غير الضارة ضحية. ويمكن أن تتلف الأنظمة المصممة لمراعاة هذه التعقيدات أيضاً: بروتوكول التدقيق المتقاطع الذي أنشأه فيسبوك لمراجعة المحتوى من الأشخاص البارزين، على سبيل المثال، انتهى به الأمر إلى حماية اللقطات الكبيرة من التطبيق.

ورأت الصحيفة أن كيفية حل هذه المعضلات هي مناقشة لا يمكن أن تتم فقط داخل فيسبوك نفسه. فعلى الرغم من أن الشركة قامت ببعض التغييرات الجديرة بالثناء بمرور الوقت، فإن الفرق المكلفة بالتشكيك في الوضع الراهن انتهى بها الأمر، كما قال مؤسس ورئيس جهود النزاهة المدنية في فيسبوك، “في حالة من اليأس حول الكسل في العمل”.

وختمت افتتاحية “واشنطن بوست”: أخيراً، نقلت إحداهن قضيتها إلى الصحافة والجمهور. قد يرغب المشرعون اليوم الثلاثاء في الصراخ بشأن (وعلى) فيسبوك، وبعض ذلك له ما يبرره. ومع ذلك، يجب أن يدركوا أنه لجمع المعلومات اللازمة لمعالجة هذه القضايا، يجب عليهم أولاً المطالبة بالشفافية، ومن المحتمل أن يفرضوها من خلال التشريع. أو يمكن أن تكون “فيسبوك” أكثر صدقاً من تلقاء نفسها، لتجنّب إثارة فضيحة أخرى.

وفي السياق نفسه، كتبت الصحافية جنيفير روبين مقالة في “واشنطن بوست” قالت فيها إن خبراء التكنولوجيا، بمن فيهم موظفو “فيسبوك” السابقون، يحذرون منذ سنوات من العواقب الوخيمة لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام ونموذج أعمال “فيسبوك” بشكل خاص. الآن، أصبح من الواضح أن “فيسبوك” نفسها لديها أكوام من الأدلة التي تؤكد هذه العواقب، كما كشفت فرانسيس هوغن في مقابلة “60 دقيقة” يوم الأحد.

هوغن، الموظفة السابقة في “فيسبوك” التي لم يذكر اسمها سابقاً والتي قدمت شكاوى ضد الشركة الشهر الماضي، تقدم قضية جيدة كما هو الحال الآن في الوقت المناسب لمحاسبة وسائل التواصل الاجتماعي. وقالت في المقابلة: “عندما نعيش في بيئة معلومات مليئة بالمحتوى الغاضب والكراهية والاستقطاب، فإن ذلك يقوّض ثقتنا المدنية، ويقوّض إيماننا ببعضنا البعض. إنه يقوّض قدرتنا على الرغبة في رعاية بعضنا البعض. نسخة الفيسبوك الموجودة اليوم تمزق مجتمعاتنا وتسبب العنف العرقي في جميع أنحاء العالم”.

مزاعم هوغن تتابع تحذيرات مماثلة من آخرين. في حديث واسع الانتشار العام الماضي، قال يائيل إيزنستات، الذي عمل على نزاهة الانتخابات في “فيسبوك” وهو حالياً زميل في معهد برغرن Berggruen، “إن أرباح شركات وسائل التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” تأتي من تقسيمها لنا وإطعامنا المحتوى المخصص الذي يصادق على التحيّزات”.

وأوضحت هوغن: “تعتمد حصيلة عملهم على إثارة عاطفة قوية لإبقائنا منخرطين، وغالباً ما تحفز الأصوات الأكثر إثارة واستقطاباً، لدرجة أن إيجاد أرضية مشتركة لم يعد ممكناً. وعلى الرغم من الجوقة المتزايدة من الناس الذين يطالبون بتغيير المنصات، فمن الواضح أنهم لن يفعلوا ما يكفي بمفردهم”.

وتابعت الكاتبة أن تريستان هاريس، وهو خبير سابق مختص بتصميم الأخلاقيات في شركة غوغل مختص والمؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية، ساعد في إنتاج فيلم “المعضلة الاجتماعية”، وهو نظرة مدمرة إلى الدرجة التي تؤدي بها خوارزميات “فيسبوك” والمنصات الأخرى إلى جعل المستخدمين راديكاليين، ونشر المعلومات المضللة والمساهمة في الاستقطاب الخبيث في المجتمع الأميركي. بينما تقول “فيسبوك” إنها مرآة تعكس ببساطة الاتجاهات في المجتمع، قال هاريس إنها تشبه إلى حد كبير مرآة “بيت المرح” التي تضخم خوارزمياتها وتضخم بعض الاتجاهات الاجتماعية الأسوأ لدينا. إنها تزيد من حدة التحيّز والغضب والنزوع إلى العنف والأمراض العقلية.

واعتبرت الكاتبة أن الأمر يقع على عاتق الكونغرس والبيت الأبيض لتقرير ما إذا كان الوقت قد حان لإزالة الإعفاء القانوني لوسائل التواصل الاجتماعي من المسؤولية عن المنشورات على منصاتها. والسؤال الآن هو في حال كانت هذه الشركات غير قادرة أو غير راغبة في التوقف عن نشر المعلومات المضللة والكراهية خدمة للأرباح، فلماذا يجب أن تحصل على هذا الاعفاء القانوني؟

ونقلت الكاتبة عن مراقبين قولهم إن “الوقت قد حان للتوقف عن مناقشة ما إذا كانت شركة فيسبوك يمكنها تنظيم نفسها والإصرار على الأقل على الإشراف الحكومي المناسب على الممارسات الأكثر ضرراً. اذ لا يوجد تشريع سحري من شأنه أن يخلق بيئة سليمة للمعلومات، ولكننا نحتاج على الأقل إلى تحديد المساءلة عن الممارسات التجارية الضارة والخطيرة في عالم الإنترنت وتفويض الأكاديميين للتدقيق بشفافية في سلوك هذه الشركات”.

يريد بعض المنتقدين الغاء المادة 230 من قانون الاتصالات التي تمنح مواقع التواصل الاجتماعي الحماية القانونية، فالدول الأوروبية لا تمنح مثل هذه الحماية الكبيرة لشركات التواصل الاجتماعي. ويريد آخرون فرض الشفافية بشأن خوارزميات الشركات ومتطلبات التدقيق كشرط للحماية القانونية.

وقالت الكاتبة إنه على المدى القصير نحتاج لمعرفة ما إذا كانت “فيسبوك” تضلل الجمهور بشأن ما تعرفه عن آثارها الضارة. ثم يجب على الكونغرس أن يدافع عن الجمهور ضد الآثار الضارة للشركة التي تجني الأموال من التشويه على حساب صحتنا وسلامتنا وديمقراطيتنا.

نقله إلى العربية بتصرف: الميادين نت