يديعوت أحرونوت: الهجوم في خليج عُمان هو تلميح موجّه من طهران إلى بايدن وليس إلى إسرائيل

يديعوت أحرونوت: الهجوم في خليج عُمان هو تلميح موجّه من طهران إلى بايدن وليس إلى إسرائيل

شجون عربية –

رون بن يشاي – محلل عسكري إسرائيلي/

في واشنطن وفي طهران يدركون أن العودة إلى الاتفاق النووي، إذا ومتى حدث ذلك، ستكون معقدة وطويلة. الطرفان يتحصنان بمواقفهما ويلمّحان إلى بعضهما البعض بأنهما غير مستعدين للتنازل عن مطالبهما المسبقة.
الهجوم في خليج عُمان، والذي نُفّذ على يد الحرس الثوري الإيراني ضد سفينة تجارية انطلقت من السعودية ليل الخميس هو تلميح كهذا. تقع إيران على الساحل الشمالي لمضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه بضع عشرات من الكيلومترات، وللحرس الثوري قاعدة بحرية في إحدى الجزر الموجودة في وسط المضيق.
في تقدير جهات غربية وإسرائيلية بكثير من اليقين أن الإيرانيين هم وراء الهجوم على السفينة التي كانت ترفع علم جزر الباهاماس. ما يدل على ذلك أسلوب التنفيذ: على ما يبدو جرى لصق العبوات على طرفيْ السفينة بواسطة زوارق سريعة خلال مرورها في مضيق هرمز. هناك إمكانية أقل معقولية، هي إطلاق صواريخ صغيرة على السفينة. على أي حال، من الواضح أن الهجوم هدفه التهديد وليس التسبب بضرر خطير.
المسّ بالسفينة كان مقصوداً أن يكون فوق الماء بطريقة لا تهدد السفينة أو الطاقم. إغراق السفينة كان يمكن أن يؤدي إلى رد قاس من طرف الساحة الدولية وتجميد المحادثات مع الأميركيين، وهذا ما لا يريده الإيرانيون على ما يبدو. صحيح أن السفينة يملكها رجل الأعمال رامي أونجر، لكن بحسب كل المؤشرات، لم يتقصد الإيرانيون مهاجمة رصيد إسرائيلي أو يعود إلى إسرائيليين، بل تهديد الولايات المتحدة- إذا لم تسارع إلى الاستجابة لمطالبهم وترفع العقوبات، فإن طهران ستمس بتزود الأسواق العالمية بالطاقة، وبالمصالح الأميركية ومصالح حلفائها في الشرق الأوسط.
أيضاً الهجوم الأميركي على معسكر للميليشيات الموالية لإيران في سورية في اليوم عينه كان تلميحاً. هدف الهجوم أن يوضح للإيرانيين أن واشنطن لا تنوي السكوت على الاستفزازات، حتى لو كانت تُنفَّذ على يدي وكلاء إيران الذين يطلقون صواريخ على قواعد أميركية في العراق. هذا أيضاً كان بطاقة صفراء لإيران وتحذيراً إلى آيات الله من محاولة الدفع قدماً بمشروعهم النووي للضغط على الولايات المتحدة. بايدن ورجاله راكموا تجربة واستخلصوا الدروس من فترة الرئيس أوباما، ولا يريدون تكرار الكلام الفارغ “كل الاحتمالات مطروحة على الطاولة”، لكن الهجوم المدروس والمحسوب كان ينطوي على رسالة إلى طهران هي أن في جعبة واشنطن يوجد أيضاً أدوات عسكرية وليس دبلوماسية فقط.

تفاؤل حذر في إسرائيل
المصادر الرفيعة المستوى في إسرائيل، والتي تتابع عملية ليِّ الأذرع المتبادلة بين طهران وواشنطن متشجعة وتبدي في هذه الأيام تفاؤلاً حذراً. سبب ذلك أن الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة لم تسارع إلى رفع ضغط العقوبات عن طهران في سعيها مجدداً لاتفاق نووي معها، ولأن الأوروبيين أيضاً يقظون وحذرون في علاقتهم بإيران وإزاء نواياها أكثر مما كانوا في وقت توقيع الاتفاق النووي في سنة 2015. سبب إضافي للتفاؤل هو أيضاً أن الإدارة في الولايات المتحدة، وأيضاً الأوروبيون (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا) يجرون مع إسرائيل حواراً في الموضوع على عدة قنوات، وهم مستعدون – وربما يريدون – أن يسمعوا ماذا لدينا بشأن الموضوع.
ليس جميع هذه القنوات علنياً، لكن أُعلن أن وزير الخارجية غابي أشكنازي يتحدث في الموضوع مع وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن، ومع نظيره الألماني هيكو ماس، وأن رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات يُجري في المقابل اتصالات مكثفة بمستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جاك ساليفان، وبجهات أُخرى رفيعة المستوى في إدارة بايدن. بن شبات هو اليوم المنسق الكبير من طرف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في المسألة الإيرانية. وبينما تتفاوض واشنطن وبروكسيل مع طهران على طريقة إجراء المفاوضات المسبقة للعودة إلى الاتفاق النووي، لا يمكن أن نطلب أكثر من الإصغاء إلى المعلومات والتبصرات التي تراكمت في إسرائيل.
حتى الآن، إيران تضغط على بايدن ورجاله للتراجع بواسطة انتهاكات فاضحة للاتفاق النووي ترتكبها بوتيرة عالية ومتزايدة، وأيضاً بواسطة هجمات صاروخية تشنها الميليشيات الموالية لإيران على منشآت أميركية وسعودية في المنطقة، وبواسطة استفزازات، مثل الهجوم على سفينة تجارية في خليج عُمان. في إيران يحاولون زيادة الشعور بالإلحاح لدى واشنطن كي تعتقد أنها إذا لم تسارع إلى الاستجابة للمطالب قد يجد جنودها أنفسهم متورطين في قتال في الشرق الأوسط.

ماذا تريد إيران؟

الطلب الإيراني الأساسي والوحيد في هذه المرحلة، هو أن تقوم الولايات المتحدة بالخطوة الأولى وترفع عنها كل العقوبات التي فرضها ترامب عليها في أيار/مايو 2018. وهي عقوبات تخنق الاقتصاد الإيراني، وتفرّغ خزينة الدولة من خلال منع تصدير النفط والحصول على عشرات المليارات من الدولارات مقابله، وتقفل المنظومة المالية الدولية في وجه المصارف في إيران.
فقط عندما تستجيب الولايات المتحدة للطلب الإيراني، سيعطي المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي ضوءاً أخضر للرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف للعودة من جديد إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا والاتحاد الأوروبي. سؤال مَن سيقوم بالخطوة الأولى، هل ستوقف إيران خرقها للاتفاق، أو سترفع الولايات المتحدة أولاً العقوبات، ليس مسألة إجرائية، وأيضاً ليس فقط مسألة كرامة وطنية. هذه مسألة جوهرية يمكن أن تحدد كيفية ومضمون المفاوضات المستقبلية بين إيران وبين الدول العظمى.
المسألة مهمة إلى حد أنها كانت الموضوع الفعلي الأساسي على جدول أعمال اجتماع المنتدى الأمني الذي عقده نتنياهو يوم الاثنين. تتخوف القدس من أن تستجيب الولايات المتحدة أولاً وتقوم بالخطوة الأولى، بينما إسرائيل وحلفاؤها الأوروبيون لا يملكون أوراق مقايضة، ومن دون أداة ضغط جديدة على طهران عندما يجلسون معها على طاولة المفاوضات.
في مثل هذا الوضع ستكون إيران في وضع تفاوضي تستطيع في إطاره رفض البحث في أي شيء سوى في اتفاق جديد، وحتى الإصرار على منع إدخال تغييرات على بنود الاتفاق القديم لتصحيح العيوب والنواقص فيه، في الأساس في بند “غروب الشمس” الذي يرفع عن إيران، لدى انتهاء صلاحيته في سنة 2030، كل القيود المفروضة عليها في المجال النووي، بحسب القانون الدولي.
الأخطر من ذلك، إذا رفعت الولايات المتحدة أولاً كل العقوبات، في إمكان إيران أن تصبح أكثر ذكاء وتملصاً، وأن تتنصل كعادتها أيضاً من موضوع المطالبة الأميركية التي تشاركها فيها الدول العظمى الأُخرى، وهي مطالبة إيران بوقف الانتهاكات للاتفاق النووي التي قامت بها منذ انسحاب ترامب منه.

الخلاف بين نتنياهو وغانتس إزاء المفاوضات

في موضوع الشروط التي ستسمح للولايات المتحدة برفع العقوبات هناك خلاف جدي في القيادة الإسرائيلية. وزير الدفاع بني غانتس، بعد خمسة نقاشات معمقة أجراها مع المؤسسة الأمنية ومع أجهزة الاستخبارات (بما فيها الموساد)، توصل إلى خلاصة أنه يجب عدم معارضة عملية، في إطارها يعود الأميركيون أولاً إلى الاتفاق النووي الأصلي، طبعاً بعد مفاوضات، ومن هناك يواصلون المفاوضات بشأن الموضوعات الأُخرى. في المقابل نتنياهو يعتقد أنه يجب عدم رفع ضغط العقوبات ما دامت العملية لم تنته كلها. في رأيه، يجب ألّا يتخلى بايدن عن رافعة الضغط الفعالة الوحيدة التي يملكها ما دام لم يجرِ الاتفاق على كل شيء، أو تقريباً على كل شيء، كما ترغب واشنطن التي تتشاور أيضاً مع إسرائيل ومع حلفائها العرب.
في أوساط رئيس الحكومة مقتنعون بأنه إذا لم يسارع الأميركيون إلى رفع العقوبات فإن الصبر سيؤتي ثماره. الأوليغارشيا الدينية -الشيعية الإيرانية ستضطر بعد وقت إلى تفضيل الحاجات الحيوية للسكان على الحاجة إلى تحدي الولايات المتحدة والدفع قدماً بمشروعها النووي العسكري. ربما بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/يونيو المقبل، التي من المتوقع أن يحقق فيها آيات الله من المحافظين والحرس الثوري سيطرتهما، سيفضلون حينها المحافظة على بقائهم على ما يسمونه “المقاومة”، وسيكونون مستعدين لقبول المخطط الأميركي – الأوروبي.
حتى الآن التفكير الاستراتيجي في البيت الأبيض ليس بعيداً عن المواقف الإسرائيلية. تعتقد إدارة بايدن كما يعتقد الأوروبيون أن الشرط الأساسي للبدء بعملية العودة إلى الاتفاق النووي القديم (ورفع العقوبات) يجب أن يكون التزاماً إيرانياً صارماً بالاستمرار في العملية الدبلوماسية التي يمكن من خلالها إيجاد رد فعلي على كل العيوب في الاتفاق القديم- وأيضاً التراجع عن التقدم الذي تحقق في المشروع النووي في العام ونصف العام الأخيرين. بالإضافة إلى ذلك، تطالب الدول العظمى إيران بالموافقة – قبل أن ترفع الولايات المتحدة كل العقوبات- على البحث في القيود على مشروع الصواريخ البعيدة المدى والتآمر والعنف اللذين تستخدمهما إيران بواسطة وكلائها في دول المنطقة في محاولة لتحقيق هيمنة إقليمية.
….. في مطلع الأسبوع الماضي أظهرت إدارة بايدن التزامها باستخدام الدبلوماسية كأداة لحل الأزمات الدولية، والعمل في الساحة الدولية مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. لكن إيران تتجاهل الدعوة التي وجهها إليها وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل لعقد لقاء للدول التي وقّعت الاتفاق النووي، وأضافت تحدياً على صورة فرض قيود مهمة على نشاط مراقبي المشروع النووي التابعين للأمم المتحدة.
لقد حرصت إيران على عدم تحطيم كل القواعد، ووافقت مع رئيس وكالة الطاقة النووية على مواصلة المراقبين القيام بمهماتهم، لكن الخطوة الاستفزازية هدفت إلى التلميح بأن آيات الله لن يتنازلوا عن مطالبتهم بأن تقوم الولايات المتحدة بالخطوة الأولى.
في إسرائيل يقدّرون أن افراد إدارة بايدن يتعلمون من التجربة، ولن يسمحوا للإيرانيين بالتلاعب بهم. والسبب هو التخوف من أن تنازلهم للإيرانيين سيتيح للجمهوريين، وخصوصاً مؤيدي ترامب الكثر، شن هجوم سياسي شرس وفعال على القاطن الجديد في البيت الأبيض، وعلى رجاله. على أي حال، يوم الأربعاء الماضي أعلن وزير الخارجية الأميركية في واشنطن “أن صبرنا ليس من دون حدود”. وفي اليوم عينه أعلن وزير الخارجية الإيراني أن بلاده ستكون مستعدة لمفاوضات غير رسمية مع الولايات المتحدة، وهذا على ما يبدو مؤشر إلى ليونة معينة من جانب طهران.

المصدر: صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية