“ميدل إيست آي”: تهديد إيران بالقنابل الإسرائيلية .. هكذا تفكر “العصابة” في واشنطن

“ميدل إيست آي”: تهديد إيران بالقنابل الإسرائيلية .. هكذا تفكر “العصابة” في واشنطن

 

 

كتب الدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس مقالة في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني تناول فيها دعوة الدبلوماسي الأميركي السابق دينيس روس للإدارة الأميركية أن تعطي “إسرائيل” قنابل خارقة للتحصينات كوسيلة للتعامل مع القضية النووية الإيرانية.

وقال كارنيلوس إن روس، بعدما عمل كمخطط للسياسة لدى الرئيس الأميركي الأسبق جورج إتش دبليو بوش (الإبن)، وكمفاوض في الشرق الأوسط ومستشار للرئيسين الأميركيين السابقين بيل كلينتون وباراك أوباما، يمكن أن يُطلق عليه بأمان لقب أحد المطلعين الداخليين في مؤسسة السياسة الخارجية لواشنطن، والذي يُطلق عليه بسخرية “ذا بلوب” The Blob، ومعناها المادة اللزجة، والاسم كناية عن فيلم شهير.

وقال الكاتب إن مقالة حديثة لدينيس روس نشرت في موقع “بلومبرغ” الأميركي بعنوان “لردع إيران، أعطوا إسرائيل قنبلة كبيرة”، تقدم نظرة فريدة لكيفية تفكير هذه النخبة في السياسة العالمية وكيفية عملها والتأثير فيها. وقد اتُهمت The Blob بأنها “عصابة عازمة على خدمة مصالحها الخاصة … تلك التي تحمي نفوذها من خلال استبعاد الأفكار البديلة واستبعاد الأصوات المعارضة”. وهي مسؤولة عن ثلاثة عقود من الفشل في الشرق الأوسط ، وتبديد الانتصار في الحرب الباردة.

وأضاف أن عيوب هؤلاء النخبة عديدة: وجهات نظر بائسة، وازدواجية المعايير، والشعور الأنثروبولوجي والأخلاقي المغالي بالتفوق (أي الاستثنائية)، والاستخدام الضيق أو المشوّه للتاريخ، والوقوع فريسة للتفكير الجماعي الذي جعلهم محصنين ضد أي تحدٍ “لهم”. وحكمتهم التقليدية هي تكون دؤوباً في البحث عن أعداء لتدميرهم.

في مقالته، يقدم روس مثالاً حياً على مثل هذه الآراء البائسة، قائلاً إنه من المحتمل أن “الرغبة في تخفيف العقوبات ستدفع الإيرانيين إلى الانضمام إلى [الاتفاق النووي] … بمجرد أن يخلصوا إلى أن الولايات المتحدة لن تقدم المزيد من التنازلات”.

ولفت الكاتب إلى أن أي متابع جديد للقضية قد يخلص إلى أن طهران هي التي تخلت عن الاتفاق النووي وتطلب الآن الانضمام إليه، بشرط أن تقدم الولايات المتحدة بعض التنازلات. هذه وجهة نظر “أليس في بلاد العجائب” بشأن التاريخ المعقد للاتفاق.

فقد تم التوقيع على الاتفاق النووي في عام 2015، وتم تنفيذه من قبل إيران، وتم اعتماده بالكامل من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتم تنفيذه جزئياً من قبل الولايات المتحدة. لم يقدم الأميركيون تخفيف العقوبات المتوقع، ومارسوا ضغوطًا قوية على أي دولة أو بنك عازم على إعادة التجارة مع إيران. كان ذلك في عهد الرئيس أوباما نفسه التي أبرمت الاتفاق، ولم تقدم إدارة الرئيس جو بايدن حتى الآن أي تنازلات.

رسالة ظريف إلى غوتيريش

كان أحد الخطوات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف هو رسالة طويلة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة توضح بالتفصيل ست سنوات من عدم الامتثال المزعوم للاتفاق النووي الغربي.

في أيار / مايو 2018، انتهكت إدارة الرئيس دونالد ترامب رسمياً الاتفاق النووي واعتمدت “سياسة الضغط الأقصى”. لمدة عام بعد ذلك، انتظرت إيران من دون جدوى الموقعين الأوروبيين على الاتفاق لإنقاذ تخفيف العقوبات الذي تستحقه؛ وفي أيار / مايو 2019، بدأت طهران في اعتماد إجراءاتها المضادة من خلال تقليل الامتثال للاتفاق. بشكل غير مفاجئ، اتهم “البلوبرز” إيران بخرق الاتفاق.

في كانون الثاني / يناير الماضي، أعلن الرئيس بايدن أنه يريد العودة إلى الاتفاق، ولكن بشروطه الخاصة، مثل تمديد شرط الغروب (انتهاء مدة القيود)، والتصدي للصواريخ الباليستية الإيرانية و”الأنشطة الخبيثة” المزعومة – في ما قد يبدو كاتفاق جديد. جرت عدة جولات من المحادثات بين الموقعين، لكن المفاوضات متوقفة حاليًا مع تنصيب الرئيس الإيراني المنتخب حديثًا.

وأوضح الكاتب أن المفاوضين الإيرانيين رحبوا من جهتهم بنوايا بايدن لكن ليس بشروطه إذ تبحث طهران بالدرجة الأولى عن ضمانات بعدم التعرض للغش مرة أخرى. تريد إيران من الولايات المتحدة العودة إلى الاتفاق الأصلي، وإبداء استعدادها لتنفيذه بالكامل، وتقديم ضمانات من خلال نوع من آلية التصديق الملزمة. لا تريد إيران تكرار تجربة 2018 إذا استعاد الجمهوريون الكونغرس في عام 2022 – أو إذا عاد الرئيس السابق دونالد ترامب، أو شخص أسوأ منه، إلى البيت الأبيض في عام 2024. فقط بعد هذه الضمانات (التي يطلق عليها بشكل خاطئ تنازلات من قبل روس ورفاقه)، قد ستفكر طهران في إعادة التفاوض على الاتفاق.

الاستثنائية الأميركية

أما بالنسبة إلى “الأنشطة الخبيثة” الشائنة، فلا شيء يبرهن بشكل أفضل على معايير”البلولبرز” Blobbers المزدوجة، مع الأخذ في الاعتبار الأدلة المنتشرة على “الأنشطة الخبيثة” وزعزعة الاستقرار التي يقوم بها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، والتي تتجاهلها واشنطن عمداً.. كما أن هؤلاء المخادعين يتغّنون بالاستثنائية الأميركية التي لطالما شكلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة. بحثهم الدائم لاحتواء إيران يظهر أن لديهم مشكلة نفسية وليست سياسية. كل ما تقوله القيادة الإيرانية أو تفعله لا علاقة له بالموضوع. فقط تغيير النظام سوف يهدئهم.

وقال الكاتب إن روس يقدم مجدداً اقتباسات على هذا المنوال، زاعماً أنه “حتى المحادثات الناجحة قد لا تمنع قادة إيران من السعي للحصول على أسلحة نووية”، وأن “الإغراءات نادراً ما تغيّر سلوك إيران، إن وجدت، وأنه إذا لم تستطع الولايات المتحدة إقناع إيران لتهدئة مثل هذه الطموحات باستخدام الجزر … يجب أن تجد عصي أكثر فعالية”.

وقال الكاتب إن هؤلاء “البلوبرز” يستخدمون كذلك أحياناً عرضاً ضيقاً للتاريخ لدعم قضيتهم. روس، على سبيل المثال، يعتقد أنه يجب منع إيران من تحقيق قدرة نووية، والتي بعبارات بسيطة هي معرفة كيفية إنتاج أسلحة نووية بسرعة إذا لزم الأمر. ويشير إلى اليابان كدولة مقبولة تمتلك مثل هذه القدرة، إذ أصبحت اليابان الآن من الدول المسؤولة في النظام الدولي القائم على القواعد. ومع ذلك، وبالعودة إلى عقود قليلة إلى الوراء، كانت اليابان قوة إمبريالية تعاملت بوحشية مع جيرانها وهاجمت الولايات المتحدة. تم استخدام قنبلتين نوويتين أميركيتين في عام 1945 لإخضاعها، بحسب روس.

حقيقة مختلفة

تسلّط استطلاعات الرأي الضوء على حقيقة مختلفة: خلافًا لوجهة نظر هذه النخبة الأميركية، يعتقد معظم الأميركيين أن أكبر التهديدات التي يواجهونها تنبع من داخل البلاد، وليس من الخارج.

للتعامل بشكل فعال مع إيران، يقترح روس، بصورة غير مفاجئة، شيئاً مخيفاً للغاية: تزويد “إسرائيل” بقنابل خارقة للتحصينات، من شأنه أن يسمح نظرياً، وفقاً لوجهة نظرهم الضيقة، بتدمير منشآت إيران لتخصيب اليورانيوم.

وتساءل الكاتب: كيف يمكن لمثل هذا الاقتراح أن يفضي إلى إحياء الاتفاق النووي، أو لتحسين الاستقرار الإقليمي؟. يدعي هؤلاء النخبة أن “المشكلات العالمية عادة ما تتحسن عندما تتعامل الولايات المتحدة بمسؤولية وتزداد سوءاً عندما تنسحب الولايات المتحدة”، معتبرين أنفسهم بغطرسة مجموعة محترفة من الأشخاص الذين وصلوا إلى الحكمة “من خلال التجربة المؤلمة والخطأ على مدى أكثر من قرن”.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم