“الغارديان”: مقاتلو داعش يعيدون تجميع صفوفهم في قلب العراق

“الغارديان”: مقاتلو داعش يعيدون تجميع صفوفهم في قلب العراق

كتب غيث عبد الأحد تحقيقاً مصوّراً في صحيفة “الغارديان” البريطانية تناول فيه سعي تنظيم “داعش” الإرهابي لاستعادة السيطرة على بعض الأراضي في العراق ومطاردة القوات العراقية لمقاتليه في شمال البلاد وغربها.

ورافق الكاتب قافلة للقوات الخاصة العراقية مؤلفة من عربات همفي وشاحنات وناقلات جند تحركت ببطء عبر الريف جنوب مدينة كركوك لنقل العشرات من المقاتلين. كان هدفهم الهجوم على سلسلة من المخابئ التي يستخدمها مقاتلو “داعش” في التضاريس الوعرة للتلال والأراضي المنخفضة التي تتقاطع معها القنوات وأودية الأنهار الموسمية التي جفت منذ فترة طويلة.

في السيارة الأمامية، جلس الضابط القائد، المقدم الشاب إيهاب جليل، بشارب قصير وعينين بلون البندق. قام برسم مسارات القافلة على جهازه اللوحي. في الوقت نفسه، تنقل بين ثلاث أجهزة راديو، وتحدث إلى طياري طائرتين مروحيتين حلقتا فوق القافلة، واستكشف الطريق أمامهما.

في الليلة السابقة، جمع جليل، قائد كتيبة كركوك التابعة لقوات العمليات الخاصة العراقية، رجاله في قاعدتهم وأطلعهم على المهمة: “تشير تقاريرنا الاستخباراتية إلى أن مقاتلي داعش يتمركزون في المناطق الجبلية في حمرين شرقي كركوك. خلال أشهر الصيف، يتعين عليهم الانتقال إلى الوديان للحصول على المياه”. وقال للجنود: “هذه الوديان والممرات تصبح مأوى لهم وشبكات اتصالات تربط القرى في السهول بقواعدها في التلال”.

وأضاف: “التضاريس صعبة للغاية، ونعلم أن لديهم العديد من الملاجئ المخبأة في هذه الوديان وخنادق الري. أريدكم أن تكونوا حذرين جداً؛ لا أريدكم أن تتجولوا فيها وحدكم؛ ستفقدون رفاقكم إذا تحركتم بسرعة كبيرة”.

وقال الكاتب إنه بعد أربع سنوات من هزيمتهم المذهلة في معركة الموصل، يعيد مقاتلو “داعش” تجميع صفوفهم. فهناك مجموعات صغيرة من المقاتلين تهاجم نقاط تفتيش الجيش والشرطة، وتغتال القادة المحليين وتهاجم شبكات نقل الكهرباء والمنشآت النفطية. وأشار إلى أن أعدادهم لا تزال قليلة مقارنة عما كانت عليه عندما حكم “داعش” مساحات شاسعة من العراق وسوريا تحت اسم “الخلافة”.

وأوضح التحقيق أنه بسبب حرمانهم من الدعم المحلي في المدن والبلدات بعد الدمار الذي أحدثوه على المجتمعات، ولأنهم غير قادرين على السيطرة على الأراضي في مواجهة القوات الحكومية الأكثر تفوقاً، فقد لجأ مقاتلو “داعش” إلى التحرك والتواجد على طريقة البدو الرحل، بحسب لزعماء القبائل المحلية وضباط الاستخبارات. فمع استنزاف مواردهم المالية بشدة، هم يبحثون عن مأوى في الجبال والوديان ويتحركون باستمرار حتى يتم حشد الموارد الكافية والرجال لتنظيم هجوم.

وقال ضابط استخبارات عراقي بارز يتمركز في المنطقة للصحيفة، إن “هذه المنطقة، وهي مثلث من الأرض بين كركوك في الشمال وبيجي في الغرب وسامراء في الجنوب، مهمة جداً لتنظيم “داعش”. إنها في وسط العراق وتربط التلال والجبال في الشرق، وهي مكان مثالي للاختباء، والصحارى في الغرب من شأنها أن تؤدي إلى سوريا. فهم لن يتركوا هذه المنطقة أبداً”.

وقال أحد زعماء القبائل الذي حارب رجاله ضد “داعش” في هذه المنطقة إنه على الرغم من أن أعداد المسلحين قليلة حالياً، إلا أنهم يعملون على إعادة تهيئة الظروف التي سمحت لهم بالسيطرة على المنطقة. إذا تم تركهم من دون رادع، فسيتمكنون قريباً من تنظيم أنفسهم وإعادة تجميع” التنظيم.

وقال الزعيم القبلي: “داعش الآن في نفس وضع القاعدة بعد هزيمتها في عام 2009. لقد ذهبوا تحت الأرض لإعادة تجميع صفوفهم وتنظيمها؛ لقد استغرق الأمر منهم أقل من ثلاث سنوات ليعودوا أقوى”. وأوضح أن نفس الظروف التي سمحت لـ”داعش” باستغلال الغضب المحلي والتلاعب به وحشد الدعم لا تزال قائمة. وأضاف: “هناك ثقة ضئيلة أو معدومة في الحكومة، وتتم معاقبة المجتمعات المحلية بشكل جماعي ومعاملتها كأعضاء في داعش حتى تثبت براءتها”.

وأشار الكاتب إلى أن الشكوك المتبادلة بين السلطات والأهالي ظهرت بشكل كامل في عملية كركوك. فقد تحركت قافلة القوات الخاصة العراقية ببطء، وعربات “الهمفي” الثقيلة تتأوه وتئن تحت وطأة الصعود والسقوط من خلال الخنادق والقنوات. فقد مروا بالعديد من القرى المهجورة منذ الحرب الأخيرة ضد “داعش” قبل أربع سنوات، ودُمرت منازلهم وسُويت بالأرض بسبب المتفجرات لمنع السكان من العودة.

وقال: في بعض الأحيان، كانت القافلة تسير ببطء خلف جنود إزالة الألغام، الذين كانوا يتقدمون إلى الأمام، ويفحصون الأنابيب المكسورة والأكياس المهجورة ويبحثون عن عبوات ناسفة محتملة.

أخيراً توقفت عربات الهمفي على مشارف قرية صغيرة: أشارت تقارير استخباراتية إلى أن نائب حاكم المنطقة خلال حكم “داعش”، محمد دهام، جاء من هنا. حتى بعد خسائره ومقتل كبار قادته، لا يزال تنظيم “داعش” يحتفظ بالتسلسل الهرمي ويعين حكام المناطق والقادة الذين تتمثل مهمتهم في الإشراف على المحافظات والمناطق التي لم يعد تسيطر عليها.

نزلت فصائل من الجنود، يرتدون الزي الأسود، ووجوههم مخبأة تحت أقنعة التزلج، ودخلوا القرية من اتجاهات مختلفة. انتشروا بين البيوت الطينية وحظائر الحيوانات، رابضين في ظلال الجدران، وبنادقهم موجهة في اتجاهات متعددة. تسلق اثنان من القناصين فوق حظيرة واستلقيا على سقفها من القش، متطلعين إلى الأفق. ركضت الكلاب في الحقول، وهي تنبح، وبدأت تطارد طائرات الهليكوبتر التي تحلق على ارتفاع منخفض.

في ضباب شمس الصباح الباكر، بدا المكان مهجوراً، في الوسط يقبع جرار قديم وبعض الآليات الصدئة. لكنها لم تكن قرية مهجورة، وبدأ الجنود بالتدريج في اعتقال الرجال هناك. بدأ المقدم في استجواب الرجال واحداً تلو الآخر حول مكان تواجد نائب حاكم “داعش. لكنهم نفوا معرفتهم، حتى أن بعضهم زعم أنهم لم يسمعوا بعائلته.

بعد ذلك، كشف رجل أن مقاتلي “داعش” مروا بالقرية في الأسابيع الأخيرة. وقال: “لقد رأيتم الأرض هنا. إنها كلها وديان وقنوات، لذلك لا نعرف متى يأتون ومتى يغادرون”.

تحدث رجل آخر في كآبة، قائلاً للجنود إن العديد من العائلات قد غادرت عندما تم طرد داعش. وقال: “يعيش البعض في الجبال. في الليل يأتي الرجال عبر الوادي ويدخلون من هناك”، مشيراً إلى الجانب البعيد من القرية. ثم يغادرون من هذا الطريق. وأضاف: “بالطبع يريدون الطعام، ويأخذون ما يريدون بقوة. أقسم بالله أننا سئمنا داعش. يأتون كل ليلة والحكومة لا تفعل شيئاً”.

غادر القائد وقافلته محبطين. اعترف أنه يمكن أن يتفهم خوف الرجل. وقال: “جميعهم يعرفون نائب الحاكم، وكلهم يعرفونه جيداً – كيف لا وهم جاؤوا من نفس القرية؟ لكن في الوقت نفسه، لا أحد يريد أن يُرى وهو يتحدث إلينا، لأنهم لا يزالون يخشون داعش، ولهم الحق – نحن هنا لبضع ساعات، ونغادر، والمسلحون يأتون ليلاً بحثاً عن الإمدادات”.

وقال القائد إن جزءا من المشكلة يكمن في قوات الأمن المحلية التي جلست خلف أسوار عالية في موقع محصن فوق التلال، تاركة القرى والحقول من دون حماية. وأضاف: “السكان المحليون محاصرون. عليهم التعامل مع داعش لأنه ليس لديهم قوات أمنية لحمايتهم”.

سارت القافلة، متجهة نحو سلسلة من القنوات والخنادق في الأهوار، التي كانت داعش تستخدمها كمأوى مؤقت وشبكة اتصالات.. توغل الجنود في الأدغال الكثيفة ثم في القناة، وفصلوا القصب ببنادقهم، ووصل الماء البارد إلى خصورهم وأقدامهم غارقين في الوحل. حشرات سوداء صغيرة سقطت على وجوههم وأعناقهم مع لدغات لاذعة. لم يتمكنوا من الرؤية بوضوح أمامهم بأكثر من قدم، ساروا عبر الماء والوحل، بحثاً عن العدو المراوغ الذي هرب بعيداً، على الأرجح خائفاً من أصوات المروحية التي تقترب.

تم اكتشاف مخبأ لتنظيم “داعش”، مصنوع من إطارات وشبكات معدنية، ومبني داخل قناة للري، من قبل القوات الخاصة العراقية.

قال جليل: “في الواقع، يبدو الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في مستنقع”.

بعد البحث في القنوات الأخرى وعدم العثور على أي شيء، تحركت القافلة مرة أخرى نحو قرية مهجورة قريبة حيث أقام الفريق مخيماً ليلاً.

كانت علامات الحرب السابقة ضد داعش واضحة في المناظر المحيطة: المنازل المهدمة، والسيارات المحترقة، وأعمدة الكهرباء والواجهات المثقوبة بالرصاص.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم