NYT: أحلام عائلة أبو العوف دفنتها غارة إسرائيلية بغزة

NYT: أحلام عائلة أبو العوف دفنتها غارة إسرائيلية بغزة

 شجون عربية _  نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أشارت فيه إلى المجزرة الإسرائيلية بحق عائلة أبو العوف في مدينة غزة.

وأشارت في تقرير ترجمته “عربي21″، إلى أنه عندما كانت الغارات الجوية الإسرائيلية تضرب مدينة غزة لليلة السادسة على التوالي، صعد الدكتور أيمن أبو العوف درج المبنى الذي بنته عائلته قبل أربعة عقود، وكان أكثر هدوءا مما كان يبدو عليه طوال اليوم. كان مبنى أبو العوف، الواقع في منطقة تسوق ثرية بشارع الوحدة، آخر مكان يعتقد أن الاحتلال سيضربه.

عاد إلى شقته في الطابق الثالث الساعة الثانية عشرة ونصف بعد منتصف الليل، بعد عمل 16 ساعة في إدارة فريق مكافحة فيروس كورونا في أكبر مستشفى في غزة. كان بإمكانه سماع القنابل، ولكن بشكل أساسي من التلفزيون في غرفة معيشته. كان حيه الراقي يعتبر آمنا لدرجة أنه في الحروب كان الأقارب من أماكن أخرى في غزة يقضون فترة القصف في شقته.

في الغرفة المجاورة، كان ابنه توفيق، طالب في الثانوية، يدرس لامتحان العلوم. في أحد الطوابق أدناه، كان والد الدكتور أبو العوف، وهو عالم يُدعى توفيق، يُعد طعاما لوجبة متأخرة. في الطابق العلوي، وكانت شيماء، ابنة ابن عمه، طالبة طب الأسنان، تراسل خطيبها رسائل نصية.

بعد دقائق، كان جميعهم قد استشهدوا. فحوالي الساعة الواحدة صباح يوم الأحد، 16 أيار/ مايو، قتلت غارة جوية إسرائيلية 21 شخصا من أصل 38 شخصا كانوا في المبنى تلك الليلة. وتوفيت المواطنة الثانية والعشرون متأثرة بجراحها بعد حوالي ثلاثة أسابيع.

وبرزت الغارة الجوية على شارع الوحدة في تلك الليلة بسبب حصيلة القتلى المروعة من المدنيين وتدمير عائلات بأكملها تقريبا. كان ذلك الهجوم، الذي دمر أيضا مبنى سكنيا آخر في الشارع، أكثر الأحداث دموية في الحرب التي استمرت 11 يوما بين إسرائيل وحماس، حيث أسفر عن مقتل ما مجموعه 44 شخصا.

تم اختبار وقف إطلاق النار الهش هذا الأسبوع بعد أن أرسل مسلحون بالونات حارقة إلى مستوطنات إسرائيلية، وردت “إسرائيل” بضربات جوية.

لكن الغارة على شارع الوحدة تظل رمزا للجدل حول ما إذا كان بإمكان إسرائيل، تجنب قتل المدنيين عندما استهدفت ما قالت إنها أهداف عسكرية. وإلى أي مدى تتحمل حماس المسؤولية.

ما لا جدال فيه هو أن مجموعة عائلات معظمها من أعلى الطبقة الوسطى كانت تسكن مبنى أبو العوف المكون من خمسة طوابق قد تم تدميرها في لحظة. كان المبنى يضم عائلات طبيب وعالم ونادل وصاحب متجر وطبيب نفساني. وبالنسبة للعائلة التي امتلكته – عائلة أبو العوف – فقد جسد 40 عاما من الآمال والتطلعات.

قال رياض إشكونتانا، وهو نادل يبلغ من العمر 42 عاما وفقد زوجته وأربعة من أطفالهما الخمسة: “لا يزال في المكان الكثير من الذكريات.. لكن القصف الإسرائيلي دفنها”.

بدأ النزاع قبل أيام قليلة، بعد الساعة السادسة مساء بقليل، في 10 أيار/ مايو، عندما أطلقت حماس ستة صواريخ باتجاه القدس. وقالت حماس إنها كانت ترد على الإجراءات الإسرائيلية في القدس، بما في ذلك مداهمات الشرطة للمسجد الأقصى والطرد المخطط لسكان فلسطينيين – وقالت إنها استفزازات تتطلب توبيخا قويا.

ودفع هجوم حماس الصاروخي، للرد على النيران بضربات جوية.

وقال المتحدث العسكري الإسرائيلي المقدم جوناثان كونريكوس، في مقابلة له إنه في صباح يوم 16 أيار/ مايو، أطلقت عدة طائرات إسرائيلية 11 صاروخا على امتداد 200 ياردة من شارع الوحدة، “بهدف تدمير نفق ومركز قيادة، تحتها”، على حد مزاعم الاحتلال.

“وقال الكولونيل كونريكوس إن الجيش لم يعرف الموقع الدقيق لمركز القيادة ولا إلى أي مدى امتد تحت المباني المجاورة. وأضاف أنه عندما انفجرت القنابل في أعماق الأرض، أزاحت بشكل غير متوقع أساسات مبنى أبو العوف” على حد وصفه.

أقرت حماس ببناء شبكة من الأنفاق في غزة، لكن في مؤتمر صحفي في 26 أيار/ مايو، نفى يحيى السنوار، زعيم الجناح السياسي للحركة في غزة، أن يكون أي منها يقع تحت مناطق مدنية، نافيا الاتهام بأنه “لا أساس له”.

كانت عائلة أبو العوف، صاحبة المبنى، تعيش في غزة قبل وصول آلاف اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، ما منحهم مكانة اجتماعية مرموقة. وأبو العوف، 50 سنة، يدير قسم الأمراض الباطنية في مستشفى الشفاء.

قال أقاربه إن والده توفيق أبو العوف (80 عاما) كان على مدى عقود كيميائيا كبيرا في شركة نفط إماراتية. كانت ابنة عم الطبيب، رجا، التي كانت تعيش مع أطفالها الأربعة في شقة بالطابق الثالث، طبيبة نفسية.

قال محمد الشنتي، 29 سنة، ويدير مخبزا في الجهة المقابلة: “إنه عنوان معروف.. عندما تتصل بسيارة أجرة، يمكنك أن تقول ‘انتظر سيارة الأجرة بالقرب من مبنى أبو العوف ‘”.

مثل العديد من سكان غزة، فإن غالبية سكان المبنى لم يغادروا القطاع قط. وأدى الحصار الإسرائيلي والمصري، الذي تم فرضه على القطاع عام 2007، إلى تقييد سكان غزة إلى حد كبير في واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية. وساهم كذلك في حدوث نقص حاد في الوقود والكهرباء: حتى إن مبنى أبو العوف كان يحصل على الكهرباء لمدة ثماني ساعات فقط في اليوم.

ومع ذلك، كان لدى سكانها أحلام. وقال شقيقه إن توفيق، نجل الطبيب، كان يأمل في دراسة الكيمياء في الكلية. وكانت ابنة عمه الثانية، شيماء، ستزف إلى عريسها بعد شهرين فقط.

قالت العائلة إن عائلة أبو العوف انتقلت إلى المنطقة في عام 1960. إسماعيل أبو العوف، رب الأسرة، كان قد جمع ثروة من تصنيع المعجنات وتجارة العقارات. اشترى فيلا بساحة كبيرة في حي الرمال، التي كانت في ذلك الحين منطقة غير مطورة على أطراف مدينة غزة.

في أوائل الثمانينيات، مع نمو عائلته، هدم الفيلا وبنى المبنى الذي أصبح يعرف باسم مبنى أبو العوف. وكان المبنى  مع وقوع  الغارة الجوية، يتألف من ثماني شقق، بما في ذلك خمس شقق كان يستخدمها أبو العوف.

بعد اتفاقيات أوسلو، تم التوقيع على اتفاقيات السلام المؤقتة بين “إسرائيل” والقيادة الفلسطينية في المنفى في التسعينيات، وعاد كبار القادة الفلسطينيين إلى غزة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الاستثمار. وظهرت المباني الشاهقة عبر حي الرمال. وفجأة، أصبحت منطقة تسوق مزدحمة.

تحول ذلك المشهد في العقد الأول من القرن الحالي، بعد فوز حماس، التي لا تعترف بـ”إسرائيل”، بالانتخابات ثم استولت على السلطة بغزة. أدى ذلك إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية المحتلة وأدى إلى عدة حروب مع “إسرائيل”.

وبقي مجمع أبو العوف، خلال كل تلك الحروب، ملاذا يستضيف أقارب من مناطق أكثر خطورة في غزة.

قال عمر أبو العوف، ابن الطبيب البالغ من العمر 16 عاما: “لقد مررنا بالعديد من الحروب، لكن مكاننا كان آمنا دائما”.

بعد أن مكث في المستشفى لوقت متأخر تلك الليلة، أوصل سائق سيارة إسعاف الدكتور أبو العوف إلى قرب شقته، ويقول السائق إن الطبيب بدا مبتهجا وسعيدا بالعودة إلى المنزل.

بعد نصف ساعة، استلقى الطبيب أمام التلفزيون على مرتبة كان قد جرها من غرفة نوم، كما يتذكر عمر. وعندما بدأت الغارة الجوية، قفز عمر غريزيا على قدميه، وأمسك بأخته الصغيرة، تالا، 12 عاما، وسحبها إلى الممر.

كان والده لا يزال مستلقيا على الفراش. ثم انهار المبنى.

خطيب شيماء أبو العوف، أنس اليازجي، يعيش في الجوار وسمع دوي الانفجارات، فأرسل رسالة نصية لشيماء يقول لها: “اختبئي”. ولكن الرسالة لم تصلها.

واستشهدت تالا بين ذراعي عمر وهو يحتضنها تحت الأنقاض، وعثر عليهم رجال الإنقاذ بعد ظهر يوم الأحد، بعد 12 ساعة. من بين أفراد الأسرة الخمسة الذين يعيشون في شقة الدكتور أبو العوف، نجا عمر فقط.

رياض إشكونتانا، الذي كان يعيش في الطابق الرابع، هو من ذرية اللاجئين الذين فروا إلى غزة في عام 1948. ويقول إن هذه هي المرة الثانية التي تفقد فيها أسرته منزلها خلال ثلاثة أجيال.

عبير عبد العال، 38 عاما، ابنة عم الدكتور أبو العوف، تعيش في شقة قريبة جدا من مبنى أقاربها المدمر لدرجة أنها كانت تمرر الطعام لهم عبر زقاق ضيق. لكن الدكتور أبو العوف توفي الآن. واختفى مبنى أبو العوف. ومعها، أربعة عقود من تاريخ العائلة. وتقول عبير: “يبدو الأمر كأنه كانت هناك شجرة وتم قطعها”.

المصدر: عربي 21