Ynet: الإيرانيون يخططون لمفاجأة، وهناك ما يعرقلها

Ynet: الإيرانيون يخططون لمفاجأة، وهناك ما يعرقلها

رون بن يشاي – محلل عسكري اسرائيلي/

التصريحات التي صدرت مؤخراً عن رئيس الأركان ورئيس الحكومة (هو أيضاً وزير الدفاع) خلقت انطباعاً لدى الجمهور أن حرباً، على الأقل في الجبهة الشمالية، من المحتمل أن تنشب في وقت غير بعيد. هذا الانطباع ليس مخطئاً: المعلومات الاستخباراتية وتقدير الوضع الذي سأفصله لاحقاً يشيران، بوضوح، إلى أن احتمال نشوب حرب في الشمال، وأيضاً في قطاع غزة، ارتفع كثيراً خلال النصف سنة الأخيرة.
ليس هناك أي طرف يريد التورط في حرب ستلحق، في الوقت الحالي، ضرراً بالمصالح الحيوية لأعدائنا كما أنها ستضر بنا؛ لكن احتمال التدهور صار مؤخراً محتملاً أكثر – نتيجة أسباب أو ظروف خارجة عن السيطرة – بسبب ثقة بالنفس مبالَغ فيها، أو تقدير خاطئ للوضع، وخلل عملاني أو خطأ في فهم معلومة استخباراتية.
مع ذلك، ما لم يحدثنا عنه كوخافي ونتنياهو هو وجود عوامل لجم قوية جداً تعمل في المقابل، وضمن اتجاه يتعارض مع العوامل التي تدفع إلى الحرب. العامل الكابح الأساسي الذي يمنع التدهور إلى حرب هو معرفة متخذي القرارات لدى كل الأطراف مدى قابلية الوضع للانفجار؛ نتنياهو وكوخافي، والمرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، ورئيس ذراعه العسكرية في الخارج قاسم سليماني، وأيضاً يحيى السنوار زعيم “حماس”، كلهم يعرفون أن أي خطوة خاطئة في المرحلة الحالية يمكن أن يدفعوا هم وشعوبهم ثمنها غالياً. لذلك هم يلتزمون أنفسهم في هذه الأيام سياسة حذرة وحكيمة على المستوى الاستراتيجي، وأيضاً على المستوى العملاني – التكتيكي.
هذا هو السبب الأساسي للتهدئة النسبية التي تميزت بها الفترة الحالية في كل ساحات المواجهات. في الجيش الإسرائيلي تُدرَس بصرامة التكلفة المحتملة في مقابل الفائدة من أي تحرك وعملية في إطار المعركة بين الحروب. مسار كابح مشابه يجري في هذه الأيام، بحسب كل المؤشرات، أيضاً لدى الإيرانيين ونصر الله والأسد فيما يتعلق بإسرائيل، وكذلك لدى “حماس” في غزة. يجري كل ذلك من دون أن يتنازل أحد عن أهدافه الاستراتيجية. الإيرانيون يريدون التمركز مع وكلائهم في سورية والعراق واليمن، وتنفيذ مشروع الصواريخ الدقيقة بالتعاون مع حزب الله في لبنان. لكنهم مثل إسرائيل، هم يتقدمون ببطء ويدرسون كل خطوة قبل تنفيذها.
الإيرانيون وشركاؤهم في المحور الشيعي المتطرف قلقون كثيراً من التظاهرات في العراق ولبنان، ويتخوفون من أن يؤدي اندلاع مواجهة عنيفة مع إسرائيل إلى تآكل مكانة حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق (هناك التظاهرات في الأساس موجهة ضد مؤسسات الحكم الشيعية). في هذا الأسبوع، جاء قاسم سليماني إلى العراق، بعد أن كان في بيروت، لتعليم السلطات كيفية التغلب على التظاهرات. هذا يدل على التخوف الإيراني من أن تؤدي التظاهرات إلى إطاحة الحكومات الموالية لهم. هذا الوضع، بالإضافة إلى عناصر لجم أُخرى فاعلة في منطقتنا، هي السبب الأساسي الذي يمنع التدهور إلى حرب حالياً، على الرغم من أن الجو والوضع طافحان ببخار وقود.
من المهم الإشارة إلى أن وجود حالات استثناء ليست معنية بمنع التدهور إلى حرب، وتعمل انطلاقاً من دوافع ومصالح مختلفة ومتغيرة من دون أخذ النتائج في الحسبان: على سبيل المثال، القيادة الغزية لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني، بالنسبة إليها فريضة الجهاد هي القوة التي تحركها مهما كان الثمن الذي سيدفعه سكان القطاع؛ أو أيديولوجيا انعزالية، والنرجسية والميل إلى اتخاذ قرارات تستند إلى نزوات مثل تلك التي تميز “سياسة” الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط.
يبدو اليوم لدى دراسة كل العوامل، تلك التي تزيد من معقولية نشوب حرب وتلك التي تقللها، فإن الاعتبارات الكابحة هي المسيطرة حالياً، لذا من غير المستحسن الدخول في حالة ذعر، في إسرائيل على الأقل، في الوقت الحالي.
على الرغم من ذلك، من المهم أن نفهم ما الذي استند إليه كوخافي ونتنياهو عندما تحدثا عن ازدياد احتمال حدوث انفجار. السبب الأساسي هو التقدير أن قيادة إيران قريبة من أن تقرر – أو قررت – زيادة الـ”احتكاك” المباشر أو غير المباشر بإسرائيل. إحدى الدلالات البارزة على هذا الانفصال الاستراتيجي عن أساليب العمل التي استُخدمت حتى الفترة الأخيرة، هي أن إيران ووكلاءها لن يستمروا في تحمل واحتواء أضرار المعركة بين الحروب الإسرائيلية، بل سيردون عليها بعمليات انتقامية مؤلمة. نموذج صغير رأيناه فقط في الأمس من خلال إطلاق النيران على طائرة من دون طيار في سماء لبنان من دون إصابتها.
الهدف هو تدفيعنا ثمناً من الخسائر والأضرار يردع إسرائيل عن الاستمرار في عمليات المبادرة التي تقوم بها المؤسسة الأمنية – مع تحمّل المسؤولية أو من دونها – بهدف إحباط مشروع الصواريخ الدقيقة وتمركُز إيران ووكلائها في سورية (اسم إسرائيل برز أيضاً في تقارير عن عمليات في دول أُخرى). هدف آخر، هو إيلام إسرائيل حليفة الولايات المتحدة وإلحاق الأذى بها، كي يكون لدى إيران عناصر ضغط وأوراق مقايضة، عندما تحين لحظة الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة على اتفاق نووي جديد ورفع العقوبات الأميركية.
لا شك في أن القرار الإيراني بعدم التهرب وحتى المبادرة إلى مواجهات محدودة مع إسرائيل ينبع من الثقة بالنفس التي ازدادت كثيراً في طهران مؤخراً. قيادة إيران، وقادة الحرس الثوري، ويمكن الافتراض أيضاً رؤساء الصناعة العسكرية الإيرانية، يستمدون تشجيعاً وتحفيزاً من نتائج المواجهات الأخيرة مع الأميركيين، ومع دول النفط العربية في مياه الخليج الفارسي وأجوائه، ومن الحرب في اليمن التي ينجح فيها إلى حد ما وكلاؤهم الحوثيون، بمساعدة حزب الله والصناعة العسكرية الإيرانية- وفي الأساس من الهجوم الناجح من جميع النواحي على منشآت النفط في السعودية.
كل ذلك يدل على تحسّن كبير في القدرات التكنولوجية – العسكرية للصناعة الإيرانية التي يملكها الحرس الثوري (وفي الأساس سلاحا البحر والجو) وفي القدرة على تخطيط وتنفيذ عمليات جراحية ونوعية. لكن ما يشجع الإيرانيين بصورة خاصة هو الضعف وعدم رد الرئيس ترامب على استفزازاتهم المباشرة للولايات المتحدة. مثل كوريا الشمالية، هم فهموا أن في إمكانهم رفع مقدار المراهنة في مواجهة الولايات المتحدة وزبائنها العرب من دون التعرض للخطر، وحتى الربح من مواجهة. نتيجة هذه الثقة بالنفس المتزايدة يمكن أن يأتي دور إسرائيل.
استخدام كلمة “من المحتمل” مضلل. نحن لسنا في مواجهة احتمال، بل نحن موجودون في مركز التصويب الإيراني. أحد أسباب الارتفاع المفاجىء في مؤشر التفجير هو تراكم التحذيرات بشأن نية إيرانية القيام بهجمات ضد أهداف إسرائيلية. التحذيرات التي تراكمت لدى أجهزة استخبارات غربية هي على مستوى كبير من الموثوقية، وهي كلها تقريباً تقول إن هذه الهجمات ستكبدنا خسائر وأضراراً مفاجئة ومؤلمة في مكان وزمان لا نتوقعهما.
هذا هو السبب الذي من أجله رفع الجيش مؤخراً حالة التأهب في ذراع الدفاع الجوّي، وفي سلاح الجو عموماً، وهذا هو السبب الذي جعل ممثليات إسرائيل في الخارج تزيد تدابيرها الأمنية. ليس المقصود هجمات استراتيجية تؤدي حتماً إلى حرب، بل عمليات إرهابية، لكنها يمكن أن تجبر إسرائيل على الرد – وتدل التجربة على أن المنحدر الزلق الذي يربط بين الرد وبين الرد على الرد، يمكن من دون قصد أن يتدهور إلى تصعيد كبير.

ما الذي يمكن فعله في اليمن؟

تحدث رئيس الحكومة هذا الأسبوع أيضاً عن احتمالات مبادرة هجومية إيرانية ضدنا من الأراضي اليمنية. ولمّح إلى أن المقصود هو صواريخ دقيقة، الأمر الذي أثار موجة من التخمينات لدى الجمهور وفي وسائل الإعلام ولدى أصحاب الاختصاص الذين حاولوا فهم هذا الكلام بدقة. من دون الدخول أكثر في التفصيلات نشير إلى حقيقة أن المسافة من إيران إلى إسرائيل أقصر بنحو 400 كيلومتر من المسافة بين النقطة الواقعة في أقصى شمال اليمن وبين إيلات. لذلك يستطيع الإيرانيون إطلاق صواريخ نحو إسرائيل من إيران أو العراق أو سورية بسهولة ودقة ومباشرة أكثر من إطلاقها من اليمن.
إطلاق الصواريخ من اليمن لن يبرىء إيران من المسؤولية. كما يدّعي أصحاب الاختصاص؛ فقط لأن إيران وحدها لديها القدرة على إنتاج وإطلاق صواريخ قادرة على حمل رأس متفجر يزن مئات الكيلوغرامات إلى مدى يتعدى 1700 كيلومتر. على أي حال، لا يوجد اليوم أي دليل موثوق به يدل على أن الإيرانيين أو طرفاً يعمل لمصلحتهم شحن إلى اليمن صواريخ باليستية ثقيلة وبعيدة المدى، أو صواريخ بحرية قادرة على الوصول إلى إسرائيل مباشرة. لكن التجربة التي راكمها الإيرانيون وحزب الله والحوثيون يمكن أن تظهر عبر “صيغ خلاّقة” لمهاجمة إسرائيل بواسطة صواريخ، وصواريخ بحرية، وطائرات “عادية” من دون طيار .
رئيس الحكومة قصد، على ما يبدو، أهدافاً إسرائيلية أُخرى يمكن أن يطلق الحوثيون عليها صواريخ من اليمن بطلب من أسيادهم الإيرانيين ومدربيهم من حزب الله. على سبيل المثال، إطلاق صاروخ بر – بحر على سفينة إسرائيلية تعبر مضائق باب المندب في طريقها من آسيا إلى ميناء إيلات، أو تعبر قناة السويس في طريقها إلى حيفا؛ أو مهاجمة سفن سريعة مفخخة سفناً تجارية إسرائيلية في مضيق حيوي. من المحتمل أيضاً إطلاق صواريخ من العراق على جنوب إسرائيل، وصواريخ بحرية وطائرات من دون طيار ذات مدى قصير ينتجها الحوثيون بتوجيه إيراني. هكذا يحقق الإيرانيون هدفين: يتنصلون من تحمّل مسوؤلية مباشرة، ويحدثون مفاجأة في منطقة في إسرائيل تُعتبر أقل من تهديد.

خطة كوخافي

يعتقد رئيس الأركان الحالي أنه بواسطة قتال هائل ومدمر، حديث الأساليب والوسائل، وفي الأساس قصير زمنياً يمكن تحقيق الانتصار، وأيضاً تخفيض حجم الخسائر في أرواح الجنود والمدنيين بصورة كبيرة، وفي حجم الدمار الذي ستتسبب به الصواريخ، وعدد الأيام التي سيتوقف فيها الاقتصاد، والضرر الاقتصادي والمعنوي الذي سيلحق بدولة إسرائيل ومواطنيها. يدرك هو وكبار المسؤولين في الجيش أنه في الحرب الشاملة المقبلة ستتعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية للإصابة بالصواريخ منذ اليوم الأول (آلاف القذائف والصواريخ) وحتى اليوم الأخير (عشرات) لذلك، كلما قصرت مدة القتال، كلما تقلص الثمن الذي سندفعه.
يعتقد كوخافي أن هذه الرؤية ليست مسألة مستقبلية، بل يمكن تحقيقها خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً بصورة يمكن تطبيقها في المواجهة الكبيرة المقبلة في الشمال أو في الجنوب في آن معاً. وذلك انطلاقاً من تقدير عال (وربما مبالغ فيه قليلاً) لقوة أعدائنا، بدءاً من إيران، وصولاً إلى “حماس”، ولقدراتهم العسكرية على جميع المستويات، والآخذة في التحسن.
عندما يتحدث رئيس الأركان في مجالس مغلقة، يحرص طوال الوقت على الإشارة إلى أن حرباً كبيرة ستكون مختلفة عن النجاحات الجراحية الصغيرة والمهمة التي تحققها إسرائيل في المعركة بين الحروب، ويكرر ويقول في مناسبات متعددة إن ما كانت تملكه جيوش تابعة لدول عصرية في الماضي، هو اليوم لدى جيوش إرهابية متوسطة غير تابعة لدولة. ومع كل التحفظات يدّعي أنه قادر على القيام بثورة في الجيش الإسرائيلي تسمح بتحقيق انتصار حاسم بأقل قدر من الإصابات والدمار، وفي وقت أقل تكون الجبهة الداخلية عرضة لإطلاق النار.
لكن من أجل ذلك يجب عليه أن يحصل على الميزانيات والموارد التي تسمح للجيش بشراء ما يحتاج إليه. هذه الوسائل، في أغلبيتها، موجودة وحاضرة للاستخدام. يجب فقط شراؤها، والتدرب عليها وإدخالها إلى مجال الاستخدام العملاني: كميات إضافية لكشف واعتراض صواريخ من مختلف الأنواع، بما فيها استكمال تطوير وإنتاج منظومة الليزر، هو أمر ممكن التحقيق؛ شراء كميات ذخيرة موجهة ودقيقة ومتحركة تسمح بالقيام بهجوم كبير، وخصوصاً من الجو، وأيضاً من الأرض على أهداف في أرض العدو- الأمر الذي سيقلص جداً من إطلاق الصواريخ على أرض إسرائيل. وطبعاً إضافة وسائل وأجهزة استشعار لجمع ومعالجة المعلومات الاستخباراتية لزيادة القدرة على تحديد الأهداف، وللسماح للقوات البرية بالقيام بالمناورة بسرعة وثقة في عمق لبنان وغزة.
باختصار، يحتاج كوخافي إلى زيادة في الميزانية تقدّر بأربعة مليارات سنوياً خلال عقد، وإلى موافقة سريعة على خطة العمل المتعددة السنوات “تنوفا” كي يكون جاهزاً لاستخدام خططه العملانية بنجاح في الحرب المقبلة. اذا استمرت المراوحة الحالية بسبب تأليف الحكومة، الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل يمكن أن يدفعا ثمناً باهظاً إذا تدهورنا إلى حرب في وقت قريب.
التحذيرات الأمنية التي تصدر عن نتنياهو في هذه الأيام بصورة متكررة، هدفها خدمة الأهداف التي يسعى لها رئيس الأركان. اقتنع نتنياهو بحجج كوخافي، وفي موضوعات معينة سبقه، عندما نشر الخطة الأمنية لسنة 2030. لكن من الواضح من صيغة تصريحات رئيس الحكومة هذا الأسبوع أنه يحاول، بالإضافة إلى الأجندة الأمنية، الدفع قدماً بمصالحه الشخصية والسياسية من خلال تصوير الوضع بصورة أبوكاليبتية.

المصدر: موقع Ynet الاسرائيلي – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية