باحثان إسرائيليان: التصعيد في الضفة الغربية – مؤشر إلى ضرورة تغيير استراتيجية إسرائيل وسياستها

باحثان إسرائيليان: التصعيد في الضفة الغربية – مؤشر إلى ضرورة تغيير استراتيجية إسرائيل وسياستها

بقلم: كوبي ميخائيل وأودي ديكل – باحثان في “معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب

حتى لو أثمر الجهد العملاني ونجح في قمع موجة الإرهاب التي اندلعت في الضفة الغربية مؤخرا، فإن الأحداث الأخيرة تشكل “أضواء حمراء” أمام حكومة إسرائيل بشأن الحاجة إلى تغيير النهج القائم الذي يفتقر إلى أي فعل سياسي ويُطلق عليه اسم “الوضع القائم” (ستاتيكو)، والذي يبدو أنه استنفد نفسه. المطلوب صياغة نهج جديد مُحدَّث، يكون قادراً على تلبية المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس فقط المصالح الفورية والآنية المتكررة لدى كل تصعيد. إننا نقترح “خريطة طريق استراتيجية” تقوم على أربعة أسس: الاحتفاظ بحرية العمل الأمني في المنطقة بأكملها، مع تقليص جدي لفرص واحتمالات الاحتكاك بالسكان الفلسطينيين؛ مواصلة التعاون الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية والمساعدة في تحسين وتعزيز حوكمة السلطة الفلسطينية؛ عرض أفق سياسي ـ الاستعداد للدخول في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية بشأن تسويات انتقالية، معالجة القضايا القابلة للحل في المرحلة الأولى وتطبيق فوري لأي تفاهمات وتوافقات يتم التوصل إليها؛ مساعدات من جانب إسرائيل تقدمها للجهود الدولية والإقليمية المبذولة من أجل ترميم قطاع غزة، شرط أن تتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية هذه الجهود، فور استعادة سيطرتها على المنطقة.

شهد الأسبوع الأخير موجة جديدة من الإرهاب في الضفة الغربية والقدس الشرقية، دُمجت فيها طرائق عمل معروفة من الماضي: إطلاق الرصاص من سيارة، اقتحام مستوطنة، طعن ودهس. الأحداث الأخيرة زادت عدد الإسرائيليين الذين سقطوا جرّاء هذه العمليات خلال السنة الأخيرة إلى 13 شخصاً. عمليات إطلاق النار في محاور الطرقات، وخصوصاً من سيارات مسافِرة، كانت الأكثر فاعلية من حيث إيقاع الإصابات، إضافة إلى توفيرها فرصاً كبيرة، نسبياً، لبقاء الخلايا التي تولت التنفيذ. عمليتا إطلاق النار، الأكثر خطورة في هذه الموجة، تُنسَبان إلى خلايا حركة “حماس” في قضاء رام الله.

هاتان العمليتان عكستا سلم الأولويات الذي تعتمده “حماس” في الفترة الراهنة: تنفيذ عمليات في الضفة الغربية والمحافظة على الهدوء في قطاع غزة. فقد صرح يحيى السنوار، زعيم “حماس” في قطاع غزة، في إثر التوصل إلى التفاهمات بشأن وقف إطلاق النار في القطاع في تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، بأن تلك التفاهمات لا تسري على الضفة الغربية وبأن العمليات تؤكد هذه السياسة، كما تُبرز التحسن الذي طرأ على مهارات مقاتلي “حماس” وإقدامِهم. إن نجاح حركة “حماس” في تنفيذ عمليات في منطقة رام الله ـ مركز ورمز الحكم التابع للسلطة الفلسطينية، بغية جر قوات الجيش الإسرائيلي إلى عمل عسكري بجوار مراكز الحكم هذه، بهدف إذلال السلطة الفلسطينية والاستئناف على مكانتها – يمثل هدفاً مهماً بالنسبة إلى “حماس” في إطار سعيها للسيطرة على الضفة الغربية. وفعلاً، شمل الرد العسكري الإسرائيلي فرض الحصار على منطقة رام الله واعتماد إجراءات هجومية شملت اقتحام مراكز المدن الفلسطينية، وخصوصاً رام الله، من خلال تصعيد الاحتكاك بالسكان الفلسطينيين.

هذه الأحداث تضع في الامتحان، لأول مرة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2015 (تفجر “انتفاضة السكاكين”)، الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي المتمثل في إدارة الصراع على جبهتين مختلفتين على الساحة الفلسطينية: قطاع غزة والضفة الغربية. الأحداث واحتمال التصعيد الكامن فيها تلقي بظلال حقيقية على جدوى “تقديس” الهدوء الأمني من دون أي حِراك سياسي والاتكاء على “ستاتيكو” موهوم، يجري تحت كنفه توسيع المستوطنات وتهيئة الظروف والشروط القضائية لضم مناطق من الضفة الغربية وسدّ أفق الدفع نحو تسوية سياسية تقوم على أساس دولتين لشعبين. وفي الوقت نفسه، تتسارع وتائر الضعف الذي ينتشر في أجهزة السلطة الفلسطينية، إلى حدّ خطر تفككها. والفرضية القائلة بإمكان تكريس وتثبيت الفصل والتمييز بين الكيانين الفلسطينيين، في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، إلى جانب تقويم القدرة على تحييد تأثير “حماس” في الضفة الغربية، لا تصمد – هي الأُخرى – في امتحان أحداث الأسبوع الأخير.

إن الفكرة الاستراتيجية الموجِّـهة للسياسة الإسرائيلية تقول إنه في الإمكان تحقيق الهدوء في الضفة الغربية بواسطة تحسين مستوى حياة السكان الفلسطينيين وتسهيل الحركة والتنقل في المنطقة. وكان الاستقرار النسبي هناك فترة طويلة عزز هذه الفرضية. في المقابل، وخصوصاً في إثر جولة المواجهة الأخيرة بين إسرائيل و”حماس”، لوحظ تآكل في قوة الردع الإسرائيلية، بعد أن ظهرت إسرائيل كأنها رضخت لابتزازات “حماس” وقبلت منح تسهيلات في المجال الإنساني وفي توفير مواد ومؤن حياتية في قطاع غزة، بما في ذلك بواسطة أموال قَطَرية، في مقابل تحقيق الهدوء الأمني. لكن، خلافاً لسياسة الفصل والتمييز بين الضفة الغربية وقطاع غزة التي تعتمدها إسرائيل، لا يمكن الفصل أو إلغاء الروابط بينهما. التسهيلات التي مُنحت لقطاع غزة جسدت، عملياً، الارتضاء بسلطة “حماس” في المنطقة، من خلال التفاوض معها (حتى وإن كان تفاوضاً غير مباشر). وهذا في ظل وفي موازاة الطريق المسدود الذي وصلت إليه إسرائيل مع السلطة الفلسطينية على المستوى السياسي، وهو ما يزيد في ضعفها ويفتت مكانتها وشرعيتها الشعبية التي تتعرض لنقد واسع أصلاً.

من المهم التوقف عند ثلاثة سياقات إضافية أُخرى للأحداث الأخيرة: الأول ـ هو الصراع بين السلطة الفلسطينية – وفي مركزها حركة “فتح” – وبين حركة “حماس” على موقع الصدارة في قيادة المعسكر الفلسطيني. فرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يفرض عقوبات اقتصادية على قطاع غزة وعلى سلطة “حماس” هناك، بينما تمنع “حماس” بدورها المصالحة الفلسطينية الداخلية، بسبب رفضها التخلي عن بنيتها العسكرية وعن احتكارها القوة في القطاع، بينما تحاول ـ في الوقت نفسه ـ الاستئناف على حُكم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، من خلال التصعيد الأمني. الثاني ـ هو تدخُل كل من إيران وتركيا في ماجريات الأمور وتطوراتها على الساحة الفلسطينية وتأثيرهما فيها. الثالث ـ هو الحاجة إلى تفكير منظومي بشأن مغزى وانعكاسات المواجهة المتزامنة في ثلاث جبهات ـ قطاع غزة، الضفة الغربية والجنوب اللبناني.

وقعت أحداث الأسبوع الأخير على خلفية عمليات إحباط متواصلة قام بها جهاز الأمن العام [“الشاباك”] والجيش. وطبقاً لما قاله رئيس “الشاباك” جرى إحباط 480 عملية إرهابية خلال سنة 2018، بما في ذلك ضد بنى تحتية عسكرية تابعة لحركة “حماس”. هذا الجهد وحجم النجاحات التي تحققت من خلاله في إحباط عمليات إرهابية، هما دليل على احتمالات التصعيد الكامنة والقائمة كل الوقت، وكذلك على الدافعية العالية التي يتمتع بها منفذو تلك العمليات، وخصوصاً من حركة “حماس”. الجمود المستمر في العملية السياسية، إلى جانب اليأس العميق بين السكان الفلسطينيين في مناطق السلطة الفلسطينية وخيبة الأمل بقيادتهم السياسية وأدائها، تظهر ترجمتها في الواقع بتطرف المزاج العام. بل انعكست هذه المشاعر أيضاً على عدد من استطلاعات الرأي التي أُجريت في الفترة الأخيرة بين الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية. (أظهر استطلاع الرأي الذي أجراه معهد واشنطن، على سبيل المثال، أن 57% من سكان الضفة الغربية عبّروا عن تأييدهم منح “حركة “حماس” إمكانية استئناف نشاطها العسكري هناك؛ وقال 25% إنهم يؤيدون استئناف الكفاح المسلح ضد إسرائيل، في مقابل 25% فقط أيدوا استئناف العملية السياسية؛ وعبّر 63% من سكان الضفة الغربية عن تحفظهم على التعاون الأمني مع إسرائيل). وأشارت المعطيات أيضاً إلى ارتفاع في تأييد فكرة الدولة الواحدة، على حساب التراجع في تأييد حل الدولتين.

في المفترق الراهن، إسرائيل ملزمة بالتطرق إلى سلسلة من الأسئلة التي تشكل صلب الرؤية الاستراتيجية. إن السؤال الأول هو: هل يمكن التمييز والفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة؟ أحداث الأشهر الأخيرة تثبت أنه من غير الممكن إطلاق تحرك دولي واسع وجدي لترميم قطاع غزة وإعادة إعماره من دون مشاركة السلطة الفلسطينية. وليس هذا فحسب، إنما أيضاً لا يمكن بلورة تفاهمات مع “حماس”، من دون الأخذ في الاعتبار إسقاطاتها على المحاولة في حد ذاتها وعلى نتائجها فيما يتعلق بمكانة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. السؤال المركزي الأهم في هذا السياق هو: هل سترضى إسرائيل بتآكل قوتها الردعية أمام حركة “حماس”، بينما “تجني” الحركة ثمار الهدوء في القطاع وتبادر، في المقابل، إلى تنفيذ عمليات إرهابية في الضفة الغربية؟. من هذا ينبع أيضاً ما نلاحظه من رفع عناصر إرهابية أُخرى رأسها واشتداد دافعيتها لتنفيذ عمليات. أمّا السؤال الثاني فهو ذو صلة بالهدف الاستراتيجي الإسرائيلي على الساحة الفلسطينية: هل يجب الاستمرار في تقديس الوضع القائم، ثم تبعاً لذلك – من هو الشريك الفلسطيني المرغوب – السلطة الفلسطينية أم “حماس”؟ وإن لم يكن ثمة خيار آخر سوى التعامل مع كليهما في الآن ذاته، فكيف يجب أن يكون ذلك؟ في إطار التفاهمات التي تم التوصل إليها مع “حماس” في تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، لمّحت إسرائيل إلى أنها تفضل “الاتفاق على الأمور” مع الطرف الذي يستخدم القوة ضدها. أمّا السؤال الثالث فيتصل بمدى متانة العلاقة بين الساحة الفلسطينية وبين الساحة الشمالية. بموجب تعريف حكومة إسرائيل، تشكل الساحة الشمالية الجبهة الأساسية في نظر الأجهزة الأمنية، بينما الساحة الفلسطينية هي الجبهة الثانوية (ولذا تفرض إسرائيل على نفسها قيوداً في استخدام القوة في هذه الحلبة). إن إيران وحزب الله، من جانبهما، يحفزان العناصر الإرهابية على الساحة الفلسطينية على تصعيد الأحداث ضد إسرائيل، استناداً إلى التقويم القائل إن زعزعة الاستقرار في هذه الحلبة سيجعل من الصعب على إسرائيل التحرك في الحلبة الشمالية. ولذا تساعد إيران في تعزيز البنية التحتية العسكرية لحركة “حماس”، بالمال والخبرة، كما تساعد صالح العاروري، زعيم “حماس” الذي يفعّل خلاياها في الضفة الغربية، من تركيا ومن لبنان.

في الختام نرى أن موجة الإرهاب تتغذى أيضاً من بنية تحتية نفسية متوفرة بين الجمهور الفلسطيني يجري تصميمها بواسطة التحريض المنهجي والمتواصل، وتتأثر بها. فعناصر حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يتعاملون مع الإرهابيين بصفتهم أبطالاً (“شهداء”) يقاتلون من أجل الشعب الفلسطيني. وكانت حركة “فتح” قد دعت الفلسطينيين إلى تصعيد المواجهات في أنحاء الضفة الغربية احتجاجاً على موت منفذي العملية الفلسطينيين الثلاثة، وإلى منع إسرائيل من الحصول على أي معلومات بواسطة آلات التصوير المنصوبة للرصد والرقابة وإلى عدم نشر أي معلومات في شبكات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك عبّرت السلطة الفلسطينية عن معارضتها للعنف، لكن لـ”إرهاب المستوطنين” أيضاً، وادّعت أنه يجب وقف التحريض. من المهم أن تجري إسرائيل حواراً مع السلطة الفلسطينية بشأن السبل الأفضل لخفض منسوب التحريض ووقفه، وعدم الاكتفاء بالرسائل الإعلامية والسياسية “لإظهار الوجه الحقيقي للسلطة الفلسطينية”.

توصيات لإسرائيل 

من شأن الأجوبة على الأسئلة التي طرحناها أعلاه أن تبيّن الحاجة إلى تغيير النهج القائم حالياً، والذي يبدو أنه قد استُنفد، ثم تبني نهج آخر أكثر تحديثاً، يكون قادراً على تلبية المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس فقط المصالح الفورية الآنية لدى أي تصعيد.

على خلفية التطورات التي سُجلت خلال السنة الأخيرة، لم يعد في مقدور إسرائيل بعد الاعتماد على “الوضع القائم”، غير الثابت عملياً، وعلى الفكرة القائلة إن تحسين مستوى معيشة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وفتح المعابر أمام دخول البضائع والمواد الأساسية إلى قطاع غزة سيمكنانها من إدامة الهدوء الأمني ومن التنصل من اتخاذ القرارات المستوجبة في الشأن الفلسطيني، من دون تحديد أهداف سياسية واضحة ومن خلال الامتناع من إجراء مفاوضات. هذا الفراغ السياسي يتيح لقادة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية أيضاً، ممارسة الضغط على الحكومة لتنفيذ خطوات عملية تُفهم كأنها تسريع لعملية الضم، تمس بنسيج الحياة المعقول لدى السكان الفلسطينيين في المنطقة وبجودة التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وهذا علماً بأن ليس ثمة من يشكك في مساهمة الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ضمان الاستقرار النسبي فترة زمنية طويلة، وهي المساهمة التي تأكدت نجاعتها خلال الأيام الأخيرة، حين تولت قمع المظاهرات العنيفة التي جرت في مدن الضفة الغربية تأييداً لحركة “حماس”.

في المنظور الاستراتيجي، ليس من الصحيح التشبث بسياسة رد الفعل وتفضيلها على مبادرة لتصميم واقع أكثر استقراراً بالنسبة إلى إسرائيل. كما من المهم أن ندرك أنه حتى مع غياب إعلان إسرائيلي رسمي بشأن تفضيل حل الدولة الواحدة، وحتى في غياب خطوات فعلية حقيقية لضم مناطق من الضفة الغربية، فإن الواقع الآخذ بالتبلور هو واقع الدولة الواحدة. من أجل لجم هذا الانزلاق نحو هذا الواقع، نقترح “خريطة طريق استراتيجية” تقوم على أربعة أسس: الاحتفاظ بحرية العمل الأمني في المنطقة بأكملها، لكن مع تقليص جدي لفرص واحتمالات الاحتكاك بالسكان الفلسطينيين؛ مواصلة التعاون الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية والمساعدة في تحسين وتعزيز حوكمة السلطة الفلسطينية؛ عرض أفق سياسي – استعداد للدخول في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية تتعلق بتسويات انتقالية، معالجة القضايا القابلة للحل في المرحلة الأولى وتطبيق فوري لأي تفاهمات وتوافقات يتم التوصل إليها؛ مساعدات من جانب إسرائيل تقدمها للجهود الدولية والإقليمية المبذولة من أجل ترميم قطاع غزة، شرط أن تتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية هذه الجهود، فور استعادة سيطرتها على المنطقة. إن مصلحة إسرائيل الاستراتيجية تكمن في وضع تكون فيه السلطة الفلسطينية مستقرة وقوية، فاعلة وعنواناً مسؤولاً، وسيكون من الخطأ سماح إسرائيل لحركة “حماس” بتنفيذ عمليات إرهابية في الضفة الغربية، من جهة، والاستمتاع بالهدوء وبإمكانيات التعاظم في قطاع غزة، من جهة أُخرى.

المصدر: مجلة “مباط عال”، العدد 1117، عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية