سياحة فنية في شعر التجاني

سياحة فنية في شعر التجاني

خاص شجون عربية _ بقلم  د. عبدالمجيد عبدالرحمن ابوماجدة|

الشاعر السوداني الشاب التجاني يوسف بشير (1912م – 1937م) الذي مات وعمره خمسة وعشرين عاماً .

التجاني يوسف بشير الشاب توفاه الله شاباً مولعاً بالشعر غارقاً في ذاته ؛ وكان شاعراً مبدعاً ومتمرداً على كثير من العادات التي كانت سائدة في مجتمعه .
بدأ التجاني كتابة الشعر بطريقة مغايرة قرّظ وطرّذ فيها شعراً صافياً ونقياً كنقاء قلبه وسريرته . ويتضح في شعره نسق مركزي كما هو لو كانت نصوصه الشعرية نصاً وآحدا .
الشاعر التجاني المقيم فينا لقد أثرى حياتنا الأدبية والفنية بشعره الذي يمثل الحبل السري الذي ربط به وثاق التواصل الإبداعي والفني والأدبي.
فإذا كان الشعر يعتبر إبداعاً جمالياً لا يتناهى وسيرورة مستقلة عن الزمان والمكان من حيث انه جوهراً متعالياً يصدر عن الذات الإنسانية المبدعة ؛ فإنّ البحث عن هذا المعنى لم يجد حظه كاملاً في الكتابات النقدية والتحليلات العميقة في أعماق ودرر قصائد التجاني يوسف بشير .
إنّ شعر التجاني بقيمه الجمالية ودلالاته الروحية والقدسية لم يجد حظه كاملاً في الكتابات النقدية القديمة والحديثة وإعادة قراءته النقدية والتحليلية ؛ فلربما يعود ذلك الأمر إلي النظريات النقدية القديمة التي لا تهتم بالتحديث .
إنّ الجهد الإستعادي للكتابة النقدية لا يحيل الي التأويل الإنساني الذي يعمل عليه النقد فحسب بل يعزز الاختيار النقدي للنص الأدبي والنظرية معاً .
الشاعر التجاني يوسف بشير لم يفارق الحياة إلاّ حينما فارق الشعر فراقاً مأساوياً ؛ كانت النهاية فيه تاويلاً مكثفاً للحياة والموت والحقيقة برؤية شعرية ثاقبة عن عالم شديد الحساسية ؛ عالم مهجوس ومسكون بأسئلة فلسفية . إنّ شعر التجاني له نظام روحي إبداعي خاص الذي ينجذب دائماً من سطح النص إلي أعماقه يتأمل فيها الحياة باسلئة حارقة وغير نهائية فالتجاني يوسف بشير يفتح الدنيا (بالقصيد) والشعر الرصين وبذهو النفس وكبريائها .
ولىّ المساء
ولىّ المساء ولىّ المساء
الوله المحزون في جوف الضباب
وأنا أُهيّ زينتي واعّد مُفتخر الأثياب
أملاً للقياك الحبيب
يصدنيّ زهو الشباب
أمسيِّ مضى بين التحسر والحنين
ووسادتي بللتها بالدمع والدمع السخين
مع تباشير الصباح وبسمة الفجر المبين
غنيت مثل الطير فرحى في رياض العاشقين
سترى النسايم عذبةً وانا أُهيم بلا ملال
وتقودني الآمال في دنيا المباهج والخيال
وهناك ارقد في الرمال ولا أرى غير الرمال
غداً أذوّب مهجتي في حر أنباس الغرام
ارنو إليك وا لوعتي
ظمأة تؤجج في ضراس
وابيتُ اعشق في الدُجى
صوتاً ينادى في ملام
أبداً أعيش لحبه أنا غير أحبابي حُطام
غداً نعود كما نود
ونلتقي عند القروب
كما يقول الشاعر التجاني في إحدى تجلياته ولربما لجهة هدى الرؤية الشعرية لعالم عجز عن إستعادة (فردوس) اليقين الديني المفقود فإستعاده بالفن والشعر .
إنّ الشعر الذي يُفضي الي إستنتاجات لعلاقته بالنقد والتحليل تتماهى نصوصه الإبداعية من حساسيات ولغات مختلفة وعندما تتجاوز تلك الكتابات النقدية بعض التجارب الشعرية بحسب التأويل يصنف جوهر الشعر على إعتبار الشكل الفني فيجب علينا ألا ننحاز في وظيفة النقد فحسب بل علينا أن نبرز الكثير من الإضاءات الجميلة المتصلة بالإبداع الفني بإعتباره طاقة كامنة في تلك النصوص الشعرية أو (القصيد) .
ربما كان الشاعر السوداني الشاب التجاني يوسف بشير الذي وجد نفسه في بيئة شديدة المحافظة فقد فجّر في الشعر تجربته الذاتية الكامنة بجمل لغوية أوجدت جدلاً جمالياً صاغ فيها أسئلة الوجود والعدم دون أن يتعبنا الي (كد) ذهني بل إنطوى على شفافية متناهية وتماسك قوي ما بينه وبين نصه (المعتق) فقد ذكر الشاعر التجاني في وقتٍ مبكرٍ ما يشبه الوصية عندما كتب وقال :
أنا إنْ متَ فألتمسني في شعري
تجدنيّ متدثراً برقاعه
ويقول ايضاً وكأنه بعدما اذبله الشك باليقين :
اشكُ لا عن رضي مني ويقتلني
شكي ويذبل من وسواسه عودي
ففي نصه الشعري هذا إستشراف قيامي للموت ظل يكتب عنه (مونولوجاً) إبداعياً داخلياً متواصلاً قرّب إليه مسافة العدم حتى إنطفأ في (سديمها) المطلق لغة كانت لحظات الغياب عن هذا العالم هي لحظة إحتراقه بالشعر بل هي لحظة عبقرية بإمتياز كان يؤطر فيها وجوده بالشعر جملةً وآحدةً حتى قال عن هذا الشعر في لحظات (نرجسية) كاشفة عن هذا الغياب الكلي :
هو فني إذ إكتحلت به وما
زال على ريق الحداثة فني
إذاً : إنّ الشاعر التجاني يوسف بشير كان يخطو خطواتٍ بعيداً عن زمانه وأقرانه بهذا الشعر (العجيب) بتداعياته المذهلة الذي قطّره في أول أيام الصبا وإنطفأ به كيانه (الغضّ) عندما إنفجر عليه بالرؤى القاتلة فهو فن ينطوي إكتماله على مأساة توازي حدود الشعر بنهاية الحياة الدنيا الي حياة البرزخ .
إنّ حياة التجاني القصيرة كانت تجسيداً للانا الشعرية والتي فرضت وجوداً لا وعياً وإدراكاً على نفسه وهي حالة يستحيل فيها الشاعر انْ يستطيع التركيز في هذا العالم (الصاخب) خصوصاً عندما لا يستطيع الكف عن الإحساس (بدهشة) الأشياء المتجددة من حوله ولذلك لا تنفذ الأحداث في شعره إلاّ بقناعٍ شفيفٍ يحيله إلى(الرمزية) والإشارة والتي تحيل إلي تأويل مطلق .
لذلك قيل في الأثر إنّ الشعر يبدأ بالدهشة وينتهي بالحكمة مروراً بالفطرة .

كاتب وباحث سوداني

AbdulmajeedAboh@gmail.com