معلوف يكتب نهاية العالم

معلوف يكتب نهاية العالم

 

 

بقلم: الكاتبة غادة بوشحيط

“اخوتنا غير المتوقعين” هي آخر اصدارات الكاتب اللبناني وعضو الأكاديمية الفرنسية “أمين معلوف” عن دار نشر “غراسي” بفرنسا. صاحب “الهويات القاتلة” و “سمرقند” وغيرها من الأعمال المتميزة، يرحل بقارئه هذه المرة إلى مشارف نهاية العالم، ديستوبيا يوظف فيها كل وسائط الحاضر ليسخر من الإنسان المعاصر ومن عنجهيته، يستعين بالأسطورة لرسم الأمل، يخط ملامح عالم يشارف على النهاية، وعالما آخر يولد ضرورة بالنسبة لأكثرنا تفاؤلا.

تحكي “اخوتنا غير المتوقعين” قصة رسام وروائية يعيشان على جزيرة منعزلة، عزلة طوعية اختارها الاثنان ليتفرغا لإبداعهما، “ألكسندر” أو “آلاك” رسام الكاريكاتير الشهير، و”ايف” الروائية، تقض متلازمة الورقة البيضاء مضجعها، حياة تكاد تكون روتينية بالنسبة لمبدعين يبحثان عن الهدوء والإلهام في عالم جد مترابط في ظاهره، منفصم العرى في الواقع، تهدده كارثة وشيكة، تهديد نووي بين الغريمين التقليديين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.  تزداد عزلة الجزيرة وتغدو واقعا، بعد أن تتسبب موجة كهرومغناطيسية في قطع كل أشكال التواصل وحتى الكهرباء على الجزيرة، يتخيل الساكنة أن ماكان تهديدا البارحة قد غدا حقيقة اليوم، فيقرر “ألكسندر” الرسام ان يعيش آخر يوم في حياته كما يشتهي، مستمتعا بأماكن مخفية على الجزيرة الصغيرة بمفرده بعد أن فشل في التواصل مع جارته الوحيدة. يكتشف بعد فترة من الزمن أن ما تسبب في توقف مظاهر الحياة الحديثة على الجزيرة الصغيرة كان موجة كهرومغناطيسية قوية عابرة لم يعرف مصدرها، ليتحول خوف الساكنة الى انفراج مؤقت، لكن لا تلبث تلك الموجات تتكرر. يرتفع منسوب التشويق حين يدرك سكان الأرخبيل أن ما اعتقدوه عطبا محليا مؤقتا كان في الحقيقة خللا عالميا شل جميع مظاهر الحياة الحديثة، أوقف جميع أشكال التواصل المتطورة، وأعاد البشرية قرونا إلى الخلف.

يداوي “معلوف” سوداوية العالم التي يرسمها بالأسطورة، فالبشرية الرعناء لم تصل بحسبه إلى مرحلة النضج وهي تتلاعب بمصير البشرية وتاريخها كاملا، لذا يمنح لمجموعة يسميها  “أصدقاء أمبادوقليس”، جماعة قهرت حدود الزمان والمكان، يحمل كل افرادها القابا مستمدة من الأسطورة الاغريقية ك”الكترا” “أغاممنون” وغيرهما، وظيفة انقاذ العالم. يتميز “أصدقاء أمبادوقليس” بدرجة عالية من التقدم المعرفي والعلمي، قهروا الامراض والشيخوخة، يمتلكون معارف جد متطورة، وظيفتهم حماية الأرض ومن عليها من أي تهديد.  “جماعة أمبادوقليس” هم تلاميذ المعلم “امبادوقليس الصقلي” الذي عاش بين490  ق.م و430 ق.م، تروي الأسطورة أنه خالد لا يموت، هو الذي رمى بنفسه من فوهة بركان “إثنا”. جعل “أمبادوقليس” من الشعر وسيلة لكتابة أفكاره، يروى أنه مارس السياسة أيضا، ثار على الأوليغارشية السائدة في “صقلية” تراوح فكره بين العلم والتصوف، حظي بإعجاب الكثير من الفلاسفة المعاصرين على غرار الألماني “نيتشه” الذي وجد فيها الوجه الأكثر بريقا لفلسفة تلك المرحلة. وضع كذلك مبدأ القوتين المسيطرتين على الكون: “الحب” و”الكره، وفكرة عناصر الكون الأربعة”. ينقب صاحب “سمرقند” في التاريخ القديم ليحاضر حول الحداثة وما بعدها، يسخر من غطرسة الإنسان الحديث، يعريه ويضعه أمام هزائمه الصغرى اليومية: الإنسان الذي يهدد بالسلاح النووي غير قادر على قهر السرطان مثلا، فيجعل من رئيس أعظم قوة في العالم -الولايات المتحدة الأمريكية-ضحية له، يتحكم “أصدقاء أمبادوقليس” في بعدي الزمان والمكان، في حين لا زال الإنسان المعاصر تحت رحمة المحركات والطاقة، يهاب إنسان الشبكات والأقمار الصناعية العملاقة الشيخوخة والموت في حين يتحكم فيها باقتدار “أغام” وأصدقاؤه. قد يجد البعض في ديستوبيا “أمين معلوف” إغراقا غير مبرر في السوداوية، وتنبؤا في غير محله عن الأخطار التي تتهدد البشرية على الرغم من أنه لا يفعل غير توظيف ما يذهب إليه خبراء الحروب في العالم، في الوقت الذي وجب فيه التساؤل فعلا عن “إخوتنا غير المتوقعين”، “أصدقاء أمبادوقليس”، عن الحكماء، أصحاب الأفكار الإنسانية الكونية وعن قدرتهم على التدخل، وفرض الحلول الحكيمة حين تدنو الكوارث العظمى والعالم لا يزال يصارع أزمة غير مسبوقة بسبب فيروس مجهري.