السمين

السمين

شجون عربية _ رافين فرجاني * |

في آخر قياس لها بلغ وزنها ثلاثة آحاد متجاورة (111) كيلو جراما, ولكن لما تحاول تذكر آخر مرة وزنت فيه نفسها العام الماضي,يبدوا لها هذا الرقم جميلا ضئيلا يحدث داخلها شعور بالحنين إلى السنوات الماضية أيام كانت خفيفة. الآن صارت بدينة (كأنها لم تكن كذلك) بدينة جدا. بلغت بدانتها حد تخشى فيه أن تزن نفسها. وأي ميزان سيتحملها؟. لقد كانت جميلة ذات يوم تزيد عن كل نساء العالم بمفاتن لا حصر لها. من المؤخرة إلى النهدين,والشعر الطويل,وشامة الخد الأيمن,والغمازة يسار ثغرها. وكان لحمها يبث أطنانا من دفقات الإثارة والإغراء,بدلا من أن يزن أطنانا ويبث كل ما هو قبيح فقط. والآن صار جسدها ممتلئ بالزيادات من نوع مختلف,لحوم خارج الهيئة العامة الطبيعية لأي إنسان. لغد وكرش وحدب وأطواق حول العنق وشلاضيم عند الخد,وترهلات في مناطق عديدة ومتنوعة,بل وهي ربما تكون أول إمرأة (بل أول إنسان) يخرج له ذنب من تكتلات الدهن أسفل الظهر.

وذات يوم طرق بابها مندوب عن وكالة لرصد الأرقام القياسية,يريد تسجيل آخر وزن بلغته, رفضت نسرين الأمر تماما وهي تتسائل عن كيفية معرفتهم الأمر. وخمنت أنه ربما يكون زوجها جاسر الذي تخلى عنها,ولم يجسر على العيش معها كأنه سيغرق في أكوام لحمها إذا ما نام في أحضانها. ولكنها تسائلت عن السبب الذي قد يدفع جاسر لأذيتها,جاسر الرومانسي الذي بنى لها الدرج الخشبي المزين بالزهور الحقيقية والمنحوتة على درجاته وإطاره وجداره. جاسر الذي تزوجها راغبا في جمالها ورقتها غير طامع في أموالها.

ولكن هذا ليس أسوأ ما حدث لها,ليس انفصالها عن زوجها,وليس هو سخرية الناس منها وابتعادهم عنها,ولا أنها صارت لا تنام فوق أي أسرة,فلا يوجد خشب أو معدن قد يتحملها. ولا حتى لما أرسل جاسر رجل يقتلها. حاول الأحمق خنقها بذراعين لم تقدرا على تطويق عنقها,وأثناء مقاومتها اللاهثة من أجل الحياة سقطت فوقه محطمة عظامه,أضلاعه وجمجمته. فكرت أن الأحمق ربما لينجح في قتلها لو كان فكر في كتم أنفاسها. ففمها لازال صغيرا,والأنف غير بعيد عنه.

غفلت ذات يوم,وارتمت مرهقة على الفراش. وانسحق السرير على الأرض,وانسحق طفلها الذي للتو بلغ عامه الأول وكانت تحضر لعيد ميلاد متأخر له,الآن وبينما هي راقدة على ظهرها عاجزة عن النهوض وعن مسح دموعها,وعن حضن صغيرها,تفكر في جنازته.

إبنتها نانسي هي التي ساعدتها على القيام باستخدام إحدى الرافعات التي ملئأت الطابق الأول من قصرها الكبير. إبنتها التي بقيت معها ترعاها وترعى أخاها بعد أن رحل الإبن الأكبر العاق صالح الفاسد كما فسد أبيه. ولحق الشبل بالأسد. ولم يكن رحيل إبنها الأكبر أو قتلها لإبنها الأصغر هو أسوأ ما حدث لها. ولكن لما قررت أخيرا أن تصعد للطابق الثاني وهي تنوي في فورة غضب أن تكسر عنقها. كسرت عنق إبنتها,وتشوه الرأس والوجه الجميل الذي نال سمرة أبيها وملاحة أمها تحت ثقل السلم الخشبي وقد سقط تحت وطأة ثقلها. لا تعرف ما الذي جلبها إلى هنا؟. كانت قد امتنعت عن الطعام منذ وفاة صغيرها,حتى كادت أن تهلك من الجوع وقلة التغذية,إلا أنها تزداد بدانة يوما بعد يوم. عرفت أنها أخيرا ستهلك جوعا لما أدركت أن ساقها مكسورة للخلف تحت ظهرها. لن يسمع أحد صرخاتها من الألم والجوع والحسرة والذل. فالحدائق ممتدة حول قصرها إلى ما لا نهاية. وكانت قد طردت الخدم حتى لا تبتأس أكثر من نظراتهم تجاه جسدها. نانسي الوحيدة التي برّتها وكانت ترعاها,لتكون ثالث ضحية تموت تحت ثقلها كأن القدر يسخر منها,خاصة وأنها تزداد ثقلا وحجما مع أنه لا طعام يدخل فيها. غبية أنها لم تطلق نفسها من جاسر,والآن بعد رحيلها, ستذهب كل ثروتها إلى الورثة الوحيدين. زوجها وإبنها.

الرفيع

اشتهر الفتى رمزي بضآلة جسده الذي لا يكبر مهما كبر عمره,وقد تجاوز عقده الأول في هذه الدنيا بقليل ليخطوا إلى سنوات المراهقة. لا يزال يلعب مع أطفال حارته ألعاب الطفولة المحببة إليه,تطرب أذنيه لضحكات رفاقه الصبيانية,الذين يحاولون عبر ضحكاتهم التغلب على خوفهم ونفورهم من هيئة صديقهم. لم يجدوه ضئيلا فحسب,بل الأكثر ضآلة بين كل من وقعت عيونهم عليه. بين كل ما يسير على أقدامه الأربعة قبل السائرين على قدمين. حتى الثعبان يندهش إذا ما رأى رمزي. أول ما يلاحظ من ضآلته هو رفعه الغير آدمي بالمرة.

إذا ضاع شيئا يتهم هو في سرقته,وإذا ضاع هو لا يعثر عليه أحد. رمزي يمكنه الإختباء بين جذور الشجر وفروعه,وفي البالوعات الصغيرة جدا,وحتى التدلي في عين الحمام حاشرا نفسه داخل مسورة الصرف. جرّب ذات مرة أن يفعل نفس الأمر مع مواسير المياه عبر الدخول من فوهة الصنبور,ولكن ثقبه كان أضيق من أن يسع جسمه.

يمكنه العبور من أي باب,بين إطاره ولوحه إذا كان متسعا كفاية,تعجب ذات مرة كيف لا يمكنه دخول مسورة المياه حتى الآن. يمكنه الإختباء تحت أي سجاد أو فراش أو ملاءة أو خلف أي ستار أو وشاح دون أن يدري به أحد. بالطبع لا يهزم في لعبة الغميض. يمكنه الإختباء خلف أقدام منضدة أو كرسي. يمكنه دخول قاروة مياه كبيرة أو قارورة فخارية (زير) بل وحاول في النموذج الأصغر منها (قلة) ولا أجدعها حبار في أعماق البحار.

لديه الكثير من القدرات التي حاول أبناء الحي الغير شرفاء إستغلالها. في السرقة أو في التسول بشكله المخيف هذا وعيون السمكة المنفرة تحت جبهته. أو حتى تعليمه كيف يحمل السلاح لإستخدامه في مشاجراتهم. فهو قادر على المرور جوار النصال قبل أن يدرك الذي يواجهه ما حدث. أو أن يختبئ بالسلاح والمخدرات في مخابئه,وقد نجح لذلك لفترة ثم ابتعد عن تجار المخدرات لما عرف ماهيته.

بل أن بعض القوادين حاول إستخدامه للتنويع في العروض الإباحية المتاحة في دار العهر التي تحت رعايته. يمكنه إدخال الرأس في شرج رجل كما خرج منذ خمسة عشر عام من فرج إمرأة. يحاولون إستغلاله ويستغلون غياب أي أسرة له,ولكن باءت محاولاتهم بالفشل. فالفتى أكثر براءة وطيبة وعندا من أن ينصاع لأي أحد في أشياء يعلم هو أنها قذرة.

يمكن لرمزي فعل الكثير والكثير,وتتخلص مهاراته وقدراته في أنه يمكنه العبور من أي فجوة,بنفس السهولة التي عبر بها من بطن أمه إلى هذه الدنيا,وقد كان خروجه منها (هذه الدنيا) عبر فجوة أخرى ضيقة لا تتسع لأكبر من فرج إمرأة. سائرا في الشارع,مرهقا من كل هذا القبح حوله,غير منتبه لما تحت قدمه,سقط في شق بين غطاء البالوعة وفتحة المجارير.

الطويل

شخص واحد في المنطقة كان أطول من محمود أبو طويلة,في الحقيقة كان أكثر طولا من الجميع. بل يرتفع رأسه عن قامة أي شخص في هذا العالم.

بالطابق الثالث كانت السيدة أم حسن تنشر الغسيل ظهرا لتستفيد من أشعة الشمس الساخنة في هذا الصيف,وفوجئت بوجهه في وجهها لتعمي نظراته المذعورة عينيها بالتعاون مع الضوء الساطع لكرة النار الساخنة في قلب السماء.

تراجعت بلا صوت لتتعثر قدميها وتسقط من على الأريكة فيرتطم رأسها بالطاولة الخشبية في منتصف الصالة. خشب خفيف ربما لم يكن ليجرح الرأس لولا وجود كوب زجاجي على حافته. شق غليظ عميق أسفل خصلات شعرها,والدماء تبلل ثيابها لتنسكب على السجادة غالية الثمن.

إنقسم قلب محمود لشقين فرا على عينيه,وسالت دماء قلبه الممزق دموعا من مقلتيه خشية زوجها الغاضب الذي سيوجه له ثلاثة إتهامات على الأقل

-اختلاس النظر إلى بيوت الناس

-محاولة سرقة زوجته ولهذا فزعت وسقطت

-التحرش بالزوجة إذا حاول مساعدتها

لم يفعل سوى التهمة الأولى والتي كانت بدون قصد منه,فهو النائم بإمتداد الحارة الضيقة, تسد قدميه مدخلها,لا مكان له يأويه. أول ما يفعله عند الإستيقاظ هو أن يفرد جسده كليا مرتفعا برأسه متخلصا من آلام نوم مرهق. لا يحسب حسابا للكوارث التي قد تحدث من أدنى حركة يفعلها.

لما يقف يرتفع رأسه,لا ليس بالأمتار,بل إلى ثلاثة طوابق ويزيد,لهذا بلغ بدون قصد إلى موضع المرأة التي تنشر. طول بدون أي ضخامة,فهو نحيف جدا يكاد لا يكون قادر على أن يسند نفسه.

لما عرف صالح زوجها,فاض به الكيل,وجمع الضغائن التي يخزنها أهالي المنطقة للفتى الغلبان,فألتف حوله مجموعة من القوادين والشمامين والبلطجية. الشاب الصغير (بغض النظر عن ضخامته) يشكل خطر كبير على مصالحهم.

وذات ليلة عند إنتصافها,وبينما هو نائم جوار سور سكة القطار المهجور,أتاه قطار الموت متمثلا في خمسة رجال أشداء ملثمين يقودون نحو عشرين رجلا آخر لا يقلون عنهم خطورة. ثبتوا الفتى الصغير على طول جسده الكبير. مجموعة ثبتت القدمين وأخرى عند الذراعين,والثالثة يحاولون السيطرة على بطنه أو ظهره. أخذ يرفس بقوة,وكان عاطف (عامل حسابه) فنزل بفأسه على قدمه. علت صرخاته بدلا من رفساته,ولكن سرعان ما انتهت مكتومة بسكين أبو حسن. تذكر عندها أنه ذات يوم كان لديه إبنا آخر غير حسن. إسمه أحمد. لديه مشكلة في الحجم,فكان مثل برميل كبير في عامه الأول. وقد مات في عامه الثاني. وحزن عليه كثيرا. ولكن لطخت الشفقة والرحمة الدماء المسالة,وتفكير سلبي يحتم على محمود أن يموت كما مات ابنه أحمد. لماذا يعيش هذا ويموت الغالي!.

لم يهتم أحد بالذهاب لمكان الصراخ,وقد عرفوا صاحبه ومصيره,وفي الصباح عرف الناس أيضا قاتله. ولكن لم يتحدث أحد.

القصير

لطالما عانى سيد القصير من قصر طوله ولكن عزاءه كان يتجلى له دوما مثل صوت آت من الذاكرة يهمس في أذنه بكلمات أبيه “احذر كل من اقترب رأسه من الأرض”. بينما يتشتت هذه الذكرى الجميلة,ويفسد جمال عبارتها كلمات أمه السامة “يا أوطى من الموس على الأرض”. ولطالما كره أمه الطويلة وأحب أبيه القصير. رفاعي القصير الذي لم يملك أي رفعة في قامته ولكن كما يقال “الكبير كبير مقام وليس الكبير عمرا” كذا كان أباه عالي على كل أبناء حي السرايا الغير صالحين؛بلطجية وشمامين وقوادين. الرجل الذي كان يرتعد لذكر إسمه أي شخص؛القصير والطويل,الرفيع والسمين,الخفيف والثقيل. لقد إرتفع إسمه عاليا في السماء,وهبط إلى الأرض مع موته. هو المشهور -ضمن ما اشتهر به- بقفزته من الطابق الرابع في معركة أسقط بنزوله رجلا تحت قدمه وقد تفجر رأسه ليولوا الأدبار رفاقه بعد ان رأوا دماءه والرجل وضع رأسه تحت حذاءه ظل واقفا لم يتأثر من سقطته.

-ده كانت إفتتاحية الخناقة,تخيل لو كان طالهم بإيديه

ولم تكن يده طويلة,لا في السرقة -هو لم يكن سارقا قط برغم ما عرف عن إخوته- ولا في القتل. كان قاتلا,ولكن يزهق روح من يوقعه الحظ أمامه فقط. نفس الرجل قطاع الرقاب, ونفس الرجل الذي قفز بلا كسر أو خدش من إرتفاع لا يقل عن عشرة أمتار. نفس الرجل كسرت رقبته اثر سقوطه من على فراش المرض وقد كانت يد الموت طويلة.

كان ذات مرة عائدا من سهرة جميلة من العربدة وشرب الخمر وتدخين الحشيش مع رفاق السوء. وبعد إنتهاءهم ذهب الجميع كل يبحث عن مقهى أو ملهى أو غرزة أو حانة أو غورة ينام فيها,واحد فقط بقى مع صاحب البيت يبيت عنده. ولم يعرض عليه أحد توصيله. وكأنه بحاجة لحماية أحد. ولم تكن معه دراجته النارية,وكأنه خائف أن يسير على قدميه. لم يكن بإستطاعته قيادتها في ظل هذا الوضع المزري. كما أنه أعارها لزميل له في (الإجرام) يقضي بها (مصلحة) أو مشاجرة ما. يمشي وحيدا ليلا قرب الفجر,مار على إحدى دواليب المخدرات. رآه واحد من أعداءه. رآه بعين واحد فقط فقأ له سيد الأخرى أثناء مرور المشرط الذي لا يفارقه عليها. مستغلا الظروف التي تدعوه للأخذ بثأره. سيد مسطول وسكران (طينة) يمشي مترنحا غير قادر على أن الوقوف قائما حتى (لا يستطيع أن يسند نفسه). رأسه محنية للأرض يريد أن يرتمي عليها رافعا شخيره غارقا في نومه. والشارع خالي من شلته أو أي حليف محتمل له. لا كاميرات حكومية في هذه المنطقة. لا سلاح في حوزته بسبب تشديد الشرطة عليه. وهذا الدولاب هو منطقة عمله الرئيسية لبيع المخدرات بينما ينتمي سيد إلى دولاب آخر منافس تحت إدارة عائلة الدوابشة.

مشى بخطوات ثابته نحوه,وعلى الفور إنتبه إليه سيد,واعتدل متحفزا للقتال,إلتفوا حوله وقد تذكر أن لا مطواته ولا خنجره معه. لا يملك سوى ذلك الموسى. المشرط الذي قطع به عين محمود أبو طويلة. تأمل لثانية الخطوط التي صنعه على خد الفتى وعنقه مشوها نصف وجهه. ذلك الوجه الذي ارتفع عاليا نحو السماء المظلمة بينما استقر رأس سيد القصير تحت الأقدام ملتصقا بالأرض. وبينما يلفظ آخر أنفاسه لم يكن الموت هو أكثر ما أزعجه,بل قهره تلك الميتة المزرية التي ذكرته بما انتهى عليه أبوه.

 

* كاتب مصري.