زمن القصيدة المنهكة

زمن القصيدة المنهكة

بقلم: غنوة فضة* |

يبدو أنه من الصعب على السوري أن يتملص من حكايته، فاختيار الحرب موضوعاً خالصاً، بات بمثابة دستور كرست له رواياتٌ منحتها ملامحها الاجتماعية والنفسية، فصارت تأريخاً متسلسلاً للفاجعة، وعتبة لعوالم مفتوحة.

في روايته هوة في باب عتيق  يوثق الكاتب السوري علي محمود أحداث الحرب السورية بدءاً من جغرافيا موغلة بالسواد، إلى قصة تخرج بخفوتٍ في بعض المواضع، وتصير صرخةُ تشكيلٍ حرّ، غيرَ مؤطرٍ بأيديولوجيا معينة، ولا منحاز سوى لِوجهة الحزن وإيقاعه الموجع. يعمل على تجسير الفجوة بين عالم الحرب الشائع على الشاشات المضيئة، وبين صورة البلاد التي باتت تجسيداً عرضياً للحياة. يتساءل عن صعوبة التخلص من رغبته في معرفة ما حدث وكيف حدث ولمَ؟ يفتش عن الكشوفات التي تقرأ حال اليوم عبر حكاية الأمس، ليس بوجهة نظر الماكث في المنفى أو الشتات، بل من عايش الرعب الناشئ عن القتل والتهجير، ومن خاتلهُ السواد وراقب أولئك الذين صنعوا منه قصائدهم المنهكة.

يظهر الملازم أمجد كشخصية محورية في النص، فهو الجندي الذي طاف البلاد، انطلاقاً من لحظة هروبه من مذبحة جسر الشغور، إلى دمشق فاللاذقية. يبدي في تطوافه جانب المُثُل في عراكها الأبدي مع الانحطاط الأخلاقي، متخذاً موقف البطل المتمسك بقيمة الشرف المطلق. تظهر حرب أخرى تغاير تلك المتربصة بالجبهات، حرب القيم أمام سطوة الحاجة وانتشار الفوضى، لينزف في أماكن وينهض في أخرى رفقةَ حبيبة تشبه مدينةً تتساقط على رأسها الشهب. فروز ميري هي دمشقُ المكلومة بقدرها، وابنُ عمّها محمد يجسد التحول الطارئ على من نقلوا خطاهم من القلب إلى قاعٍ صاغهُ الانتماء لتنظيمات دينية متشددة.

تدفع الحرب بالجميع نحو امتهان الوهم، كلّ وفق طريقته وغايته، فمن حوصر بالخوف، حصّن نفسه بالأدعية. ومن اجتاحه الجوع، آمن بالترهات مخرجاً. لتتقلب عبر ذلك التناقضات والصفات، فيصبح الشهيد هنا قاتلاً هناك، وعكس ذلك ينحو بالكثيرين إلى استلاب ذاتي، يتغافل عن تلال الأشلاء وحطام الموتى. يتحول الجميع لما كان يخشاه، بلا منفذٍ يتضح سوى للموت المجاني، فالمساعد يعرب، يكرَّم كبطلٍ بحقيقةٍ مغفلة، والفتيات المنتظرات على العتبات صرن جائعاتٍ في شوارع الليل، يحِكنَ أكفاناً لقتلاهم ويقدمن أجسادهن لحملة السلاح العابرين. أما الجنود فتنحو بهم الحال لتفتيت رعونة الحياة وصوغ نهاياتهم وفق ما يجترح البكاء والأسى، بأدواتٍ دفع عبرها الكاتب حكايته للتمرد على القائم والانحياز لكفّة الإنسانية المطلقة، فحتى القاتل في لحظة ما يبكي بشاعته، والسارق يلكم جشعه، والصبية تنعي ذبولها، أما الجندي الذي محت الحرب شبابه فيتعلق بتلك الهوة التي جانست في عمقها عالمي الحب والحرب.

“أظن بأن الراحة الحقيقة بالنسيان، فإذا كنت تستطيع أن تحرق ذاكرتك فاذهب الآن ولا تنظر خلفك أبداً، وإذا لم تستطع فإياك، إياك، فالغربة صحراء لا حدود لها، والهروب قبر تفتحه بيدك لروحك لذا اسمع مني وخذ معك مرآة لقبرك الجديد”.

تنقلب كفة الموازين، لتتحول الشخصيات وتركن إلى مفارقات عجيبة، فمن كان عاطلا عن الضغينة صار كتلة غائرة بالحقد. فالجندي يهرب، والهارب يعود، لتمنح النهاية القارئَ ما تفعله يد مجنونٍ بلوحةٍ هربت منها ألوانها؛ ترحل روز ميري، ويغادر أمجد براءته، يخطف الموت يعرب من فساده ويسلب محمد من جرائمه لصالح أسئلة تميل لرغبة القارئ بنجاة البطل من مأزقه، فالهرب خارج البلاد يبدو خلاصاً من رحيل الحبيبة، واستعصاء البلاد على النجاة، لكن بلوغ القهر ذراه، لحظة ذهول على الحدود السورية اللبنانية،  لا يتردد أمجد في معاندة ذاته، يختار العودة ليظهر كمن يفتت بالكلمة صلابة الرخام، ويشرح للعابرين كيف للنسائم ألا تشيخ، وللبلاد المصابة بخرف العادة والعرف دواؤها، ليس لغاية ختم الحكاية بمشهد تراجيدي، بل لكي تلحق بالقتلة لعنة المظلومين الأبدية.

 

* كاتبة وروائية سورية.

غنوة فضة