ما يفعلهُ الموتُ بنا!

ما يفعلهُ الموتُ بنا!

 

بقلم: غنوة فضة، كاتبة سورية

يعرض الكاتب المصري ابراهيم فرغلي (1967) عبر روايته قارئة القطار (الدار المصرية اللبنانية) بحثاً عن معنى الأشياء وعلاقتها بالكون الفسيح، مستنداً إلى تلك المفارقات التي تبديها النصوص، والتي تبدو في ظاهرها متنافرةً إلا أنه عند النظر إليها من زاويةٍ محايدةٍ، نجدها غايةً في الوحدة والتآخي. فالحكاية هنا، وإن بدت للوهلة الأولى سيرةً لما بعد موت أحدهم، إلا أنها في العمق تحيل للكشف عن معنى التاريخ الشخصي وعلاقته بالحاضر والمستقبل، وتبحث في الحياة وآثارها التي تعلق بالإنسان، ليس من ناحية الجسد، بل لجهة استعادة الذاكرة وذرّ الغبار عن زواياها الغائرة بين تشعبات الذات والوجود صحبةَ لعبةٍ قطباها: الوعي واللاوعي.

يلحق بطل الحكاية “محمود الوهم” قطاراً تقوده امرأة عمياء تقرأ معظم الوقت في عالمٍ لا يحده زمن، لتجسد بيئة النص مكاناً موازياً للواقع، قد يكون قبل عام وربما قبل مئة! يلهث فيه البطل باحثاً عن ذاكرته المفقودة، ناسياً اسمه في مكان لا وقود لاستمراره سوى بالقراءة التي تمنح الدفق لعالمه الغرائبي، وحيث يمتزج الواقع بالحلم، والمدهش بالعادي، يبدو القطار بمثابة رمز لانتقال الإنسان من عتبة إلى أخرى، فتأتي مهمة “زرقاء” القارئة العمياء التي مُنحت بصيرة مكّنتها من القص، وفي ذاكرتها تختبئ حكاية محمود، والتي ربما تكون حكاية أخرى، وفي هذا إشارة إلى الجانب المبهم في القصص،  وهو ما يسقط على معنى القراءة، كفعلٍ يسبغ قيماً مضافةً على النصوص من جهة، وكفعلِ مقاومة ذاتية من جهة أخرى. تنقل زرقاء قصته إليه بتراتبٍ يكشف تاريخه خلال فترة وقوع مصر تحت الاحتلال الانكليزي، وما تلاها من ثورات أخصها الثورة العرابية.

يقول الكاتب: “نحن نموت هناك لنعيش هنا، ونعيش هناك لأننا متنا هنا، هل تفهم؟” ومن هنا يسير القص في عالمين، عالم القطار وعالم حياة البطل السابقة، لتأتي الرحلة كمهمة للبحث عن ماضيه الذي كان همه فيه البحث عن المستقبل، وكأنّ الكاتب أراد أن يمنحنا بؤسَنا ككائناتٍ تجهَدُ في تمزيق الحجب، ويؤرقها غموض الأحداث من حولها. لذا نرى محمود في بحثه عن سيرته عاجزاً عن فك طلاسم عوالم القطار، فيبدو كمن يصارع قوة تتصدى له، وهي قوةٌ تشبه تلك التي منعته سابقاً عن معرفة مستقبله. يهجس بذاته القديمة ويعاوده التفكير بالقتل مرات، لكنه يندهش لغياب ذاكرته، ليكتشف أن الصبر الذي احتاجه ليحتمل الحياة صار أضعافاً ما بعدها. لتخرج قصته شيئاً فشيئاً على لسان زرقاء بضمير المخاطب فتتاح له متاهات حكائية  تعينه على خلق صورته بنفسه. يكتشف لحظتذاك القراءة كسبيلٍ وحيدٍ للحياة على سطح القطار ولاستعادة ماضيه واسمه، ينتشي بهذا الاكتشاف، ويتخلص عبره من حصاره بذكرى جدته وهزائمه في حبه لفاطمة ولقريته، يصطدم بمفارقات الحب والجسد والدين، وتنتقل إليه ذكرياته تباعاً بصورة شاب يجري عبر أرجاء المحروسة (القاهرة) مشاركاً في ثورتها ضد الانكليز، وعالقاً بين حبه لفاطمة أو العودة للديار، إلا أن القدر يتدخل ليختار له العودة فيكتشف أنه في حياته السابقة كان ناجياً وحيداً من قريةٍ اجتاحها الوباء، وأنه في منفاه القديم عاش محظوظاً دون أن يدرك أن الهروب منحه الحياة، لتنتهي قصته بالموت بين ربوع قريته، ويسبغ سكانها الجدد عليه قداسة شعبية كعائدٍ من عالم مجهول، فيصنعون له ضريحاً مباركاً.

يقول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا: “إن الوهم أشد رسوخاً من الحقيقة”. ومنه قد نجد في أوهامنا نهاية مختلفة لبطل الحكاية، قد تكون تلك التي روتها زرقاء، ولربما يكون لحياته على القطار محطة أخرى في أزمنة مختلفة وأمكنة غريبة، فالنهاية هنا لا تركن لموضع واحد في مخيلة القارئ، وهي تشبه مصائرنا؛ محطات إثر أخرى دون أن ندرك سوى واحدة منها اسمها الحياة، أما ما بعدها فهي مجرد تجارب ذاتية خاصة بكل من يرتحل وينتقل، كالموت مثلاً، وما بعده، والقراءة كذلك الأمر، إذا ما تم النظر إليها كتجربة ذاتية، فهي إسقاطات لما حملته تجاربنا الماضية، واستقراء لما سننتهي إليه كما لو أننا معانٍ كيفما غادرت أو تنقّلت لن تخرج بعيداً عن نصها الأصلي، ليبقى الوجود في ذاكرتنا الفاجعةَ الوحيدةَ التي تضاهي الموت، وتبقي الباب مفتوحاً على معنى المبهم، أو على حد تعبير الكاتب في بحثه عن معنى حياة بطله: ما معنى الشبع في حياةٍ تخطو فيها حاملاً كفنك؟