ما لم يقلهُ فرنتس مولنار في “أولاد شارع بال”

ما لم يقلهُ فرنتس مولنار في “أولاد شارع بال”

خاص “شجون عربية” – بقلم: غنوة فضة* |

تمتلك رواية “أولاد شارع بال” للكاتب المجريّ فرنتس مولنار خصوصية النصوص التي تُكتب للفتيان إلا أنها تُحكِم اشتباكها بعالم الكبار، إذ تشتغل على مستوى الداخل والخاص وعلاقتهما بأكبر الموضوعات والقضايا في حياة الإنسان. صدرت الرواية بنسختها العربية عن دار فواصل بترجمة نافع معلا، وفيها يلعب الخيال لعبته، فهو الآسر للكبار، فكيف به لصغارٍ جعلوهُ منظاراًعلى محيط الحياة، وبه فسّروا العالم كمحاولاتٍ بدائيةٍلرتق الفجوة بين خبراتهم المحدودة وظواهر المحيط المعقدة.

ينشب خلافٌبين أولاد شارعين من شوارع مدينة بودابست الكبيرة، ويحتدم على حيازة قطعة أرضٍ قرب منشرةٍ قديمة، شكّلت لكليهما وطناً جسّدَ قوام ما يمكن أنيحلم به كل طفل من أطفال الفريقين. آمن الجميع بذلك الوطنملاذاً لفتح أبواب الرحابة على عالمهم الخانق تحت تأثير البيت والأسرة والمدرسة. يكتسب العراك جديته، وتتحول قطعة الأرض إلى مسألة حياة أو موت. تحاك المؤامرات، وتشتعل الرغبة بين الفريقين للتنافس على الوجود والهوية قبل الامتلاك والسيطرة.

تقوم المعارك على قواعدَ نزيهة بعيدة عن تلك التي صاغها الكبار، وتركن إلى إعلاء شأن الشجاعة والولاء قبل كل شيء.

يظهرالطفل نيمتشك كأصغر أعضاء فريق شارع بال، فهو الضعيف المهمّش، والرقم الحيادي الذي لا يُحسب لوجوده حساب. يحرّك بتفانيه وجدان الأطفال جميعهم، ويضرب نموذجاً للامتثال الأخلاقي بأنبل صوره، إذ يضطر للمبيت داخل حوض ماء بارد حفاظاً على أمان فريقه.

وفي الوقت الذي يصوغ فيه الطفل قيمه الخاصة بصورة مُعدَم ساذج، يشتعل التنافس بين فريق القمصان الحمر بقيادة آتش المغامر، وأولاد شارع بال برفقةَ بوكا القائد المثالي. تُرفع الرايات، ويحمل كل فرد على عاتقه جدية الانتصار، تتكشف خيانات، وتشتعل مداهماتٌ جانبية حتى يتم أسر نيمتشك وهو في أضعف حالاته، لكنه يفاجئ الجميع ببسالته وسط ساحة المعركة الأخيرة.

يموت الطفل جراء إصابته بالتهاب رئوي، لتبدو القصة مليئة بالمأساة، فهؤلاء الفتيان يصنعون عوالم متخيلة وكأنهم فقدوا معنى الحياة في عالمهم الواقعي، يفتشون عنه في لعبة العراك تلك، وفي هذا إسقاط على ما خفي من حيواتهم الحقيقية، فما لم يقله مولنار اختبأ خلف معاركَ طفولية، واستتر وراء أكمة من آمال فرضت رغبتهم في تغيير واقع منهَك، بل وتتضح معانيه المضمرة تلك في مشهد والد نيمتشك، إذ يبدو مفجوعاً وهو يعمل على حياكة معطفٍ لرجل ثري بغية شراء تابوت لإبنه، فيما يتخيل صاحب المعطف مختالاً به على شاطئ الدانوب، مثلما تبدأ الحقيقة بالتسلل شيئاً فشيئاً إلى عوالم الرواية، إذ يحاول بوكا كقائد مثالي لأولاد شارع بال أن يمنح أعضاء فريقه الألقاب التي تسبغ عليهم قيم الشرف والأخلاق والفضيلة.

يكتشف الجميع عبر ذلك المشهد خلبية الأحداث الأخيرة، بمن فيهم أطفال الشوارع الأخرى، حيث يسبّبُ موت نيمتشك المشرّف بروز صحوة لدى أعضاء الفرق المتحاربة. يدرك الجميع خواء غايته وحقيقة النصر المفجع الذي حازوا عليه. اكتشفوا لا جدوى مساعيهم، وأن ما كان من خصومتهم مع أبناء الأحياء الأخرى منحهم درساً في الحياة؛ تلك التي رأوها بحقيقتها وتناقضاتها أول مرة. بحثوا عن السعادة، لكنهم أطّروها بامتثالهم لأوامر القادة والإذعان لمشوراتهم، فما نالوا سوى الخواء والخسارة. هو درس مليء بالعبر، لا يخلو من التشويق الذي يثير القارئ الكبيروالصغير، لذا كان من الطبيعي أن تكون البساطة السردية عملة مولنار الخاصة بالكتابة للفتيان، لربما لم يكن للكاتب أن نقرأ حكايته بصورة مجموعة أطفال يلعبون دور الجنود بين شوارع مدينة مجرية، بل لعلّه ودّ لو نتلمّس ما من شأنه أن يجعل من الإنسان إنساناً أفضل بعد قراءة أولاد شارع بال.

                                                                                                               *كاتبة وروائية سوريّة.